الفردوس البعيد

ستار كاووش
منذ أن وقفتُ أمام أعمال مايكل أنجلو وبرنيني، لم أشاهد أعمالاً وصلت إلى درجة الكمال، كما هي أعمال النحّات الدنماركي ثورفالدسن. كنتُ أنتظر الفرصة لزيارة متحفه في مدينة كوبنهاغن، وها أنا أقف الآن أمام هذه الأعمال وتأثيرها الطاغي الجليل. يا للحجر الذي جمع بين القوة المَهيبة والنعومة الآسرة في آنٍ واحد، ويا للبياض الذي حوَّل النساء إلى بقع من الضوء، حيث بان الجمال منتشياً وهو يرتدي حُلّته البيضاء مثل الحليب. تماثيل تحولت إلى غيوم، وخيال جعل الصخر شخصيات تتنفس مثلنا، هكذا تحول الحجر إلى كائنات رغيدة وبضة، إنه حقاً نحّات الأناشيد ومروّض قسوة الرخام، هذا الذي جعل نساءه في مصاف الملائكة.
أطوفُ بين منحوتاته ولا أجرؤ على التنقل سريعاً، بل أردتُ فقط أن أبقى هنا صامتاً، حتى صرتُ أنا التمثال، فيما التماثيل ذاتها تنظر إليَّ بوجوهها المشرقة وأجسادها النابضة بالحياة. لا شيء يقف عائقاً أمام هذا النحات وهو يسترسل في إنجاز أعماله، كأنه يصغي إلى النغمات التي يبثها الحجر، والموسيقى التي ينثرها الأزميل. حتى تظن بأنه قد قشَّر الزوائد من قطع الأحجار الكبيرة لتظهر لبّتها بهيئة حوريات جئن من فردوس بعيد وغامض. منحوتات وريليفات تحولت مع الزمن إلى كنوز ضمها هذا المتحف الفريد الذي تأسس خصيصاً لأعمال ثورفالدسن.
تدخل المتحف ولا تعرف من الرابح هنا، هل هو الفنان الذي حصل على هذا التكريم، أم هو الحجر الذي تحوّل إلى قصص إبداع لا تنتهي، أو ربّما هي المدينة التي احتضنت هذا كله؟ أم أنا الذي جئتُ من مكان بعيد لأقف في حضرة الفن؟ والمحصلة هي أننا نتشارك الجمال مع أعمال كتبت تاريخها قبل أن ينتبه إليها التاريخ ذاته. إنها معجزات تقف في مقدمة الصف صحبة أعمال الأساتذة الكبار عبر كل العصور.
ليس مصادفة أن يُعتبر هذا الفنان أعظم نحّات في تاريخ الدنمارك. وهو أحد الأساتذة الكبار للكلاسيكية الجديدة. وما أنجزه لم يأتِ فقط نتيجة موهبته المتوقدة والعظيمة، بل بتفانيه الكبير، حيث سافر إلى إيطاليا وقضى فيها أربعين سنة، عاشها قرب أعمال أساتذة النحت الكبار الذين تعلم منهم سحر الفن وجمال التكوينات ومعرفة الأسرار التي تكمن في الحجر، ليعود بعدها إلى بلده ومدينته كوبنهاغن ويفعل فيها فعل السحر. وبعد وفاته، لم تُخصص له المدينة هذا المتحف فحسب، بل تم دفنه في أحد أروقة هذا البناء الذي ضمَّ أعماله… وروحه.
أعمال لا حصر لها في هذا المتحف، وكل عمل يحاول أن يسحبك نحوه لتتحاور مع التقنية والملمس والانحناءات ورهافة التعبيرات وقوة التكوينات، حيث تمتلئ القاعات بمنحوتات أنجزها هذا الفنان لملوك وأباطرة وناس عاديين وعشاق وأشكال أسطورية، نساء ورجال في وضعيات مختلفة، خيول وفرسان وأطفال وملائكة ومجاميع مختلفة، كذلك أنجز لنفسه مجموعة من التماثيل التي تُظهره منشغلاً بنحت أعماله الخالدة. وبين كل هذه الأعمال استوقفتني بشكل خاص مجموعة من أعماله التي نفّذها بطريقة النحت البارز أو الريليف، والتي اتسمت بالكلاسيكية الممزوجة بالرمزية. أعمال تشعر بأنها الكمال ذاته ممزوجاً بالرفعة التي يمنحها لنا الفن الجميل، لا زوائد غير ضرورية ولا إسهاب في تقشف يضعف العمل، كأنك أمام شاعر يقول قصيدته دفعة واحدة دون تعديلات تربك المعاني والإيقاع العفوي.
هكذا نرى كيف منح عمله المعنون بـ (النهار) هيئة امرأة تُحلق بأجنحتها بكل نشاط في الفضاء، تنثر الزهور ورأسها مرفوع بنشاط، وتنظر إلى صبي يحمل شعلة ترمز إلى النور والشمس. فيما عمله الآخر الذي يحمل عنوان (الليل)، تظهر فيه امرأة برأس منحنٍ وعينين مغمضتين، وشعرها مجدول بأزهار الخشخاش التي عُرِفَت بقدرتها على جلب النوم.
وفي عمل آخر يظهر كيوبيد والأميرة سايكي، حيث تقول الخطوط والمنحنيات كل شيء عن قصتهما الدرامية. وهناك أربعة أعمال تمثل مراحل عمر الإنسان والفصول الأربعة، وضع فيها هذا الفنان خلاصة تقنيته وخبرته الفنية، حتى إنني، ومن فرط دهشتي، فكرت بالاقتراب منها أكثر للمس الحجر الذي تحول إلى أجساد ترفة.
تنقلت بين منحوتاته المختلفة بحجومها العملاقة أو أشكالها الصغيرة، حتى وصلتُ في النهاية إلى رواق طويل وُضِع فيه أعظم أعماله على الإطلاق، والذي أعطاه عنوان دخول الإسكندر إلى بابل، وهو من الرخام ويمتد لأربعة وثلاثين متراً بشكل إعجازي، حيث استمر في العمل عليه عشر سنوات كاملة، وقد استلهم فيه الكثير من تقنيات النحت الإغريقي والإيطالي. أسير بهدوء بجانب هذا الإفريز المذهل، وتتقافز أمامي الخيول، الفرسان، العربات، أغصان الزيتون التي ترمز للسلام، فيما تصدح الأناشيد وتعلو الرقصات وتُنثر الزهور فوق رؤوس المارة. ويُعتبر هذا العمل أعظم نحت أوروبي في القرن التاسع عشر.
خرجتُ من المتحف ووقفتُ أمام هذا المكان العظيم الذي يضم كل هذه الأعمال الفريدة، وبدا لي المتحف من الخارج كبيراً ومهيباً، فيما بدوتُ أنا بجانبه صغيراً، كذلك الناس الذين يمرون بمحاذاته كانوا صغاراً… نعم كنا صغاراً جداً مقارنة بعظمة هذا الفنان.
ناقد وفنان تشكيلي عراقي




