إناسة

في حضرة جمال الزوجة

محمد عاصم

** الكثير ينظر إلى زوجته غدوّاً وعشيّاً ويده ممدودة: أيها القمر، لماذا لا تستحي من جمال زوجتي؟ وهي البدر والضياء، ومني المراد، ولها يسيل لعاب الفؤاد.

** يردّ البعض على الجانب الآخر: هل هذا إفراط في الغزل، أم هيام في مصفّى العسل، أم نار تكتوي بالهزل، أم عشق خالد سرمداً في الخيال؟

هناك الزوج يطير إلى السماوات السبع ويردد في ثنايا أنفاسه: عواطف جيّاشة من صدر الفؤاد، تبث روائح الورود المكنونة، تُعلي قيمة عش الزوجية، وتثمّن العواطف الجيّاشة بينهما، لعلها تبادله باقات الورود مع نفحات القلوب بالنظرة في العيون، وحسناً يرقد تحت الجفون.  وهل هناك أفضل من جمال القمر وقت أن تغمض العيون؟

** لماذا يسكن جمال القمر في عقولنا وصدورنا وقلوبنا، عندما يشتد العطش إلى الجمال في أوقات منى الفؤاد، ونجوى المراد، وعبير المناد، وسلوى الوداد، وليلى حبل الوريد، ومعها فتافيت عناقيد سكر القعيد، وأميرة نسائم شهد الرضاب؟

** ثلة من الأزواج يردّدون بينهم وبين نجواهم سرّاً وجهاراً: القمر في حد ذاته ليس جميلاً، ولا علاقة له بالجمال، والدليل هو التركيب الطبوغرافي، يقول لنا: القمر كتلة أرضية، سطحه من الغبار والأتربة والصخور، منخفضات بركانية، جرم سماوي، يتبع دوران الأرض مع الشمس، ويستمد الضوء من شعاع الشمس، ثم يعكس ضوء الشمس إلى الأرض ليبث النور والضياء إلى كوكب الأرض في البقعة الجغرافية التي يستمد منها شعاع الشمس، ثم يعكس هذه الأشعة الشمسية إلى الأرض، وخاصة في الليل، حينما تدور الأرض حول كوكب الشمس، ومع توهج الشمس في ذروة مواجهة القمر يكون جمال الضوء في الليل، وحينما تكون الشمس ساطعة تراها على البقعة الجغرافية التي تواجهها على الأرض حارة المناخ، شديدة الحرارة، تتوهج من تلقاء نفسها، دونما الحاجة إلى القمر.

إذن، جمال القمر لا يكتمل إلا مع ظل الشمس، دونما الشمس يظل القمر أخرس، أصم، أجرد، صحراء على السطح.

نفس الأهازيج تُحاك بالمرأة مع ظل الرجل، دونما الرجل تبدو المرأة تحتاج لمسات الهناء، تهفو إلى جنات عدن في السماء، تتوق إلى من يرسم لها ساعات الصفاء، تنتظر الفارس الهمام مثلما عنترة بن شداد، وفي يده الحسام.

إذن، القول للزوجة، أو الحبيبة: أنت أجمل من القمر، صادق المعنى والبرهان.

** شتان الفارق في جمال المرأة من تلقاء نفسها، بينما القمر فقير الجمال من تلقاء نفسه. إذن، قول الزوج للزوجة: أنت أجمل من القمر، واقع نراه؛ الزوجة تعطر المناخ دونما انتظار، بينما القمر ينير فقط مع استقبال شعاع الشمس فترة زمنية محددة. الزوجة لها بوصلة الجمال على مدار الساعة، شتان الفارق إذن بين هذا وذاك. إذن، قول الزوج للزوجة: أنت أجمل من القمر، في الدراما الجياشة التي تسرق فؤاد الزوجة، اعتراف بوهج الحب الذي ينبض في الشرايين والعروق بين الخلايا. هنيئاً للزوجة هذا الزوج.

** أتى رجل اعرابي إلى الإمام مالك وسأله: لقد قلت لزوجتي: أنت طالق إن لم تكوني أحلى من القمر. فهل وقع الطلاق؟

رد الإمام مالك: نعم، لقد وقع الطلاق؛ لأن زوجتك لن تكون أحلى من القمر.

** خرج الرجل الأعرابي حزيناً، فاعترضه الإمام الشافعي في الطريق، دار الحديث بينهما، وقال الإمام الشافعي للرجل: ماذا سألت الشيخ وبماذا أجاب؟ أجاب الأعرابي، وهو يريد أن يستزيد بعد فتوى الإمام مالك الذي قال: امرأتك طالق؛ لأنها ليست أجمل من القمر.

فقال الإمام الشافعي للرجل الأعرابي: لا، إن زوجتك أجمل من القمر. فغضب الرجل وقال له: وهل رأيتها؟

** قال الإمام الشافعي: لا، ولكن الله يقول: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، فخِلقة الإنسان أحسن خِلقة. فرجع الأعرابي إلى الإمام مالك وأخبره بجواب الشافعي، فقال: والحق أحق أن يُتَّبع؛ أخطأ مالك وأصاب الشافعي، رغم أن الإمام مالك كان أستاذًا للشافعي، عليهما رضوان الله.

** قال الشاعر يصف جمال زوجته:

هي البدرُ إلا أنَّ فيها رقائقاً

من الحُسنِ ليست في هلالٍ ولا بدرِ

** قال البحتري في وصف الزوجة الحسناء:

أضرَّت بضوءِ البدرِ، والبدرُ طالعٌ

وقامَت مقامَ البدرِ لمَّا تغيَّبا

** في الوقت نفسه، قام الزوج من سبات نومه ينظر في المرآة، وهو يحاكي نفسه: يا ليل، كن بنا حليماً، ثم أخذ يردّد: ماذا حدث؟ أهي أضغاث أحلام، أم أحلام اليقظة؟ أهو طيف تراءى ثم اختفى مع الصباح؟ كان الليل شديد الظلمات لانقطاع الكهرباء.

** الزوج يحكي للزوجة سيناريو محاكاة فتافيت السكر التي سالت في حنايا الحلقوم.

** ردّت الزوجة: اصحَ من النوم، نومك ثقيل، القمر ما له مثيل.

كاتب وصحافي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى