قص

امرأة للحضور والغياب

عمر الحمود

1ـ حنين فراتي:

على درب الــ يمرّون أريد أكعد وأنادي

متى أحبابي يعودون خبِّرْني يا حادي

2 ـ النص

عرفها الرجل ذات سفر.

دمشقية فاتنة، ونشوة سكْر لذيذ، فاندفع إليها بكلّ توقه لأنثى مختلفة.

تبادلا العناوين والرسائل، وأضاءت كلماتها قناديل عطر ونور في مساءاته الكئيبة …

واقتربت قواربه من الرسو في مرافئها، واتخاذها وطناً.

وبأصابعها الرشيقة المدرّبة حاكت له منديلاً، طرّزت أطرافه برسوماتٍ بدائية وخيوط زرقاء تبعد شرّ الحاسدٍ إذا حسد كما تعتقد الجدّات في عهدٍ مضى، وفي وسط المنديل نقشت روضاً يضحك نوراً وأزاهير وفراشاتٍ وعصافير.

ومن نقوشها تعلّم الرجل أبجدية اللون، وواكب حروفها كلمة سرٍّ فتحت له أبواب ملكوتها السحري، فدخل مُهاباً، كأميرٍ تهتف باسمه البلاد، وتُهيء له عالي المقام، وبريشته الموهوبة وألوانه المحبوبة تتبّع نبأها، وأسْطرها في لوحة، بدَت فيها في أحسن تقويم، وحين رأته يعاين رمّانها اليانع حذّرته بمكر حوّاء: إنّه ضالٌ مضِل، وإنّك لن تستطيع مع غوايته صبراً.

قال: سيجدني صابراً محتسباً، ولا أنتهك له حرَمة، أو أفشي عنه سرّاً.

قالت: وكيف تصبر على مالم تُحِط به لمساً، وليس لديك عنه علماً؟!

قال: نحن في الليالي البيض، وصومها مستحب ودعاؤها مستجاب، وبكلمة دعاءٍ أنال المراد.

قالت: هو العشق لا ينفع معه دعاء أو تميمة أو رقية، فكنْ طائعاً.

قال: سأصبر، ولا أعصي للعشق أمراً.

والتقط البدر همسهما، وراح يفسّر، ويؤوّل مستعيناً بفضّته الفضّاحة المطّلعة على المكنون من المعارف والأخبار، ثم ارتقى في مدارج التأويل حتى غاب عن الأنظار، واستغرب الرجل غيابه في تلك الليالي القمرية على غير عادته، فلامه نسيمٌ سعى بينهما برسائل حميمة: ويحك يا رجل، كيف يظهر البدر، وأمامه شمس إنْ أشرقت تأفل النجوم خجلاً من ذهبها المنثور على الأكوان!

واخضلّت نفسُ الرجل، وسرَتْ فيه ارتعاشة ابتهاج، وانشرح صدره، وأمسك قلمه، وفتح دفاتره، وكتب عن المرأة همساتٍ ومنمنمات وترصيعات، لكنّ المرأة سطعت على دفاتره بنظرة، فمحت كلّ ما فيها خلال لمحة، وعادت أوراقه بِكْراً تنتظر عقْد قِران!

وكتبته المرأة بعينيها قصيدة ندى، وبصوتها الناعم وغنّته الرخيمة ألقتها على مسامعه، فتراخت أصابعه، وسقط القلم من يده، وحلّقت روحه مأخوذة بانبهارٍ وجنونٍ وفرح في لحظة عشقٍ نادر، وتواشجت مع حروف القصيدة في سَكْرة وجْد، ودارت في فلك المعاني غيمة مثقلة بمطرٍ وسمي، تتشهّى لآلئه أن تكون قلادة على جيد المرأة، وحذا حذوها سور الرّقة القديم وباب بغداد وجسرا الفرات وأشجاره مع البيوت والساحات وسهارى الليل وندامى الحانات والصبايا الحالمات بالزواج، وتشكّل عرس ألوانٍ وألحان وأضواء على إيقاع صنّاجاتٍ راقصة، أنصتت ملائكة السماء إلى ترانيمه وأناشيده الآسرة، وبسطت أجنحتها النورانية عليه، فامتلأت المدينة بالحياة، وفاض نهر الفرات محبّة في عالمٍ يضجّ بالموت والكراهية، فابتسم الرجل منتشياً، وعرف أنّه ليس المسحور بالمرأة وحده.  

وبنعمته حدّث الأصحاب، فاسترق الوشاة قصته، وتسلّحوا بحبائل المكر والخديعة، وكادوا له كيداً، اختلقوا خلافاتٍ بينه وبين المرأة، بنوها على عالمها الشامي المترف ونأيه عن عالمه الريفي الفقير، وبعد مراوحةٍ بين شوقٍ وانتظار أخرس مشاعره، وترك ما بينهما يلفظ أنفاسه قهراً، وقال للمرأة في لحظة تحدٍ: لن أكون أضحية لعيدك، ولأنثرْ أحلامي بك حلماً وراء حلم، ولتلعبْ بها الريح العابثة.

قالت برزانةٍ وأمل حدّ الغرابة: اذهب أنّى شئت، فقلبك عندي.

وحين حمّلها مشكلة لم تكن طرفاً فيها، خشيت من قصة حبٍّ خائبة، تعيشها مع رجل ريفي أسمر يلفّه غموض وأسرار وهي امرأةٌ مدنية شقراء تحتفي بها الأنوار، فقالت: هذا فراقٌ بيني وبينك.

فتضخّمت عُقَدُه الدفينة، وسخُن دمُه، وقال: الموت لحبٍ قاصر يجعلك مشتهاة ممنوعة.

وتركته وحيداً، يعاني الضياع والغربة ولهيب الشوق.

لم يكترث في البداية، وظنّ أنّ ابتعادها هو السيل للشفاء من جنونه بها، والخمود لجذوة علاقةٍ بينهما، وتحوّل وقائعها إلى أطلال ذكريات، ولن يقف باكياً عليها كما فعل شعراء قبله، وأنّ قيظاً من هجر يبخّر هذا الحب، ويطفئ هذا الوله، ولن يتوقف الزمن عنده.

وكان على وهمٍ!

فحين يُذكَر اسمها، تتسارع أنفاسه، وتبتسم أشياء في داخلي، وتنزف أخرى، ويتناثر قلبه مزقاً من حنين، وترفع جوارحه رايةً بيضاء، وتستسلم لحضور طيفها، وبأنامل رقيقة يطرق باب قلبه الموارب، فيبعد ضباب حزنٍ تكوّم على أطلاله، ويتربّع أمامه سيداً للحسْن والندى، ويشاركه شرب القهوة وسماع صوت فيروز وحكاية روتها أمّه في ليل شتاءٍ طويل، ويحدّثه بما يحبّ أن يسمع منه، فتمطر فصوله لوحاتٍ يتوهّج فيها وجهها بنجومٍ وأقمار….

وفي لحظة صحو ادّعى قوة الإرادة، وحاول فتح صدره لعذارى يخطبن ودّه، وأعاد نشر قائمة لبنات عرفهنّ، واسعات العيون، ناهدات الصدور، مشرقات الوجوه، يقدمن له أجسادهن وأرواحهن على طبقٍ من حرير، لكنّه جانبَ الصواب، كنّ عصبة نساء ممتلئات ثرثرة فارغات الأرواح!

وثارت روحه، وذرّت ملحاً على جرحه، وروحه لا تعرف المراوغة، وفعلاً ظلّت المرأة تسري في شرايينه، وتأبى أن تكون ذكرى عابرة، فهي امرأةٌ للحضور والغياب، وشجرة تلغي ظلالها حضور الأخريات، ولو كنّ حوريات اغتسلن بعطرٍ من الجنّة.

ضاق صدره، وشعر أنّ الهواء تلوّث لخلوّه من أنفاسها، وانتقل من قلقٍ إلى قلق، وانقلب من حيرةٍ إلى حيرة، وصار أمانه خوفاً، ونومه يقظة، ونوره عتمة، وحياته تغريبة حزينة مرّة، وكأنّ المرأة أخذت معها الفرح والسكينة والمسرّة.

وبات يتخيّلها في قيامه وقعوده، وتفاجئه بطيفها من حيث لا يحتسب، فارعة كنخلةٍ من البصرة، وبشعرٍ يتموّج كحرير الشام، طيبُه زيتٌ من زيتون القدس، وسواده صافٍ كليل الصحارى، ويراها في كلّ وجهٍ جميل يقابله، في طلوع البدر وإشراقة الشمس، وفي كلّ كلمةٍ رقيقة تغلّف جمال المعنى، ويسمع صوتها في بحّة نايٍ شجي، ويشمّ رائحتها في برعم وردٍ يغفو على لونٍ وعطر، وتحدّثه بكلّ لغات الحبّ، وتختال أمامه في حِلّةٍ أبهى من كلّ حسْنٍ عرفه الخلق.

ويمتدّ أمامه قول عرّافة قرأت خطوط كفّه يوماً: ستظلّ مشغولاً بامرأةٍ تأخذك من أقصى الشمال إلى أقصى اليمين، ولو خاصرتك حِسان العالمين، أو لِذْت بوصايا المتّقين.

وتتسع عيناه دهشة واستغراباً، فتكمل له: كلّ رجلٍ يبحث عن أنثى هي نصفه الآخر، وأنت تبحث عن أنثى هي كلّك الغائب والحاضر.

قال: هذه مبالغة.

قالت: هي حقيقة تليق بامرأةٍ دافئة المشاعر، وأنّى توجّهت يلفحك عشقها الآسر.

وعند الكرى يتحول إلى مراهقٍ شقيٍ فاسق، ولا تغمض عيناه إلا على نسمةٍ تطيّبتْ بعطرها النسائي الناضح برائحة الياسمين، فيهدأ، ويسترخي، وينام بعمقٍ وهدوءٍ…

وعندما اشتدّ همّه، وتخبّط كمجنونٍ فقد أعصابه، وصار حاله المتوتر لا يخفى على الناظر باح لشيخه في زاوية الخميس بما آل إليه حاله، فنهض الشيخ من بين عبق الحرمل البري وتمتمات الذكر، وتأمّله بروية، وقال بيقينٍ: مياه الفيجة ترنيمة عذوبة مغوية، أغوت محيي الدين بن عربي قبلك، فمن يشرب منها مرّة يشرب منها مرّات.

قال مسلوب العقل: زدْني توضيحاً.

قال: أيها الرقاوي الحالم لو فتحت صدرك لوجدت بين أضلاعك أعشاشاً لسربٍ من حمام المسجد الأموي يهدل شوقاً إلى شام النور والمعرفة والمرأة الجميلة.

فعالج كلامه بسؤالٍ حائر: وما الحل يا شيخي الجليل؟!

تمعن في وجهه، وقال: اخلص النية، واغتسلْ بوصالٍ عاجل قبل أن تدركك لعنة الجنون.

وحين رأى اختناق صدره قال مطمئناً بأبوةٍ عطوف: ما تبحث عنه يبحث عنك، فانصبْ جسر عبور إليه.

وسبقته فرحته قائلة: أحقّاً تبحث عني؟!

حدّق الشيخ في الأفق، وقال: إنها سليلة حواء، تتابع أخبار آدم، وتجيد إخفاء ذلك.

ــ وهل ندخل مقام العشق سوية؟

ـــ ما زال بينك وبين مقام العشق مقامات ومسافات.

واستدرك حين رأى تجهّمه: خذْ خطوة سماح تجاهها، واهنأ بعذوبة وعذاب ودلال.

وتناهى إليه من نافذةٍ قريبة أغنية ترددها فتاة يافعة بصوتٍ شجيٍ، يختلف عن كلّ الأصوات التي سمعتها، ملأ الكون أنغام موسيقا وألوان ورود، وفرش الأرض تحته مخملاً وثيراً:

يامَنْ هواه أذلّني كيف السبيل إلى وصالك دلّني

تركتني حيران صباً هائماً أرعى النجوم وأنت في عيشٍ هني

وجمّع جهوده لأمرٍ واحد، هو العثور عليها، ولا شيء أكثر، ليجعل منها مستراحاً لروحه وجسده، وملكة مطاعة في مملكته يرتشف معها رحيق الحياة قطرةً قطرة، ويحيا طقوساً لعشقٍ بلا قيود وسط كرنفال من ابتهاجٍ لم يشهده عاشق، ولم يهجس به موشحٌ أندلسي أو يعزفه عازف.

وبحث عنها بإصرارٍ يريد لقاءها، وتلطّف لعلّه يجد لها أثراً في أماكن ترتادها، ولم يفلح، وليس بيده خاتم سليمان ولا عصا موسى، فقادته خطواته إلى بيتها، لعلّها عادت إلى دارها في لحظة مددٍ، أو لفتة حنين، أو يجد في الدار مَن يهيئ له خبراً عنها، وقف عند باب الدار، لم يجد سوى الصمت والخواء، وأنوار الدار مطفأة، ونوافذها عيون تترصّد عودتها، وتغبّرت الجدران الخارجية، وتسلّقت عليها نباتاتٌ شوكية متطفّلة، والباب موصد باهت الألوان، وتصدّعت أخشابه حزناً على فراقها، ويترقّب حضور بشيرٍ يُلقي عليه منها ذكرى ليعود فتياً قوياً، وحين اقترب من الباب، وجد البابُ فيه رائحة المرأة، فناحت مفاصله، واشتاقت إلى عِشْرة وسوالف جميلة.

وأمام هذا المشهد المؤثّر اتسع جرح الرجل، ونزف قلبه وجعاً ولوعات غياب، وخاطب الباب: تجذّرت صاحبتنا في أعماق الذاكرة، ولم تترك لنا هامشاً لنسيان ما فات، أو اختيار ما هو آتٍ.

أنّ البابُ توقاً إليها، أو تخيّل الرجل ذلك، فردد مقطعاً من أغنيةٍ شعبيةٍ حزينة: ” حرقت الروح لـمّن فارقتهم، وبكيت، ومن دموعي غرّقتهم … “.

وعاهده على زيارةٍ كلّ يوم، وتقاسم رغيف الشوق إليها: إنّها امرأةٌ عصية على النسيان، تستحق هذا وفوقه المزيد.

وانطلق يبحث عنها من جديد، ولا يكاد يلامس الأرض من شدّة اندفاعه، ويعلم أنّ الطريق أمامه طويل، وزاده باقات شوق وديوان قصائد.

محام وقاص من سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى