آراء و مقالات

بين  كاتب وفنان

عبد السلام العجيلي

تضايق الفنان التجريدي لأنه شعر بأن إعجاب الناس بلوحاته كان محدوداً، وقال لصديقه الكاتب بحدّة ليس العيب عيب الفن التجريدي، بل عيب الإحساس الفني للناس في هذا البلد … إنَّ مداركهم أضيق من أن تتسع لقبول هذا الفن.

قال الكاتب: لست من رأيك يا صاحبي إني أعتقد أنَّ الناس في بلادنا مؤهلون لتقبّل الفن التجريدي أكثر من أنواع الفنون التشكيلية الأخرى.

قال الفنان: وكيف ذلك؟

قال الكاتب: لأن عقليتنا كساميين أو كعرب أو كسكان لهذا الشاطىء الشرقي من المتوسط، هي عقلية تجريدية بذاتها لا تجسيدية. إدراكنا معنوي أكثر منه مادي. وقد عُرف هذا عنّا منذ القديم، كما انعكس على تراثنا ومعطياتنا في الفن والدين والسياسة.

قال الفنان: هذا بديع هل لك أن تشرح لي أثر العقلية التجريدية في هذه النواحي التي تذكرها؟

فضحك الكاتب وقال في الفن أستطيع أن أضرب لك أمثلة عديدة على ما أقول. وفي الدين أذكر لك بعض الأمور لا كلها، فأنت تدرك أن الموضوع شائك، وأن الخوض فيه ليس مأموناً. أما في السياسة فأنت تعذرني إذا فضلت السكوت على الكلام.

فجاراه الفنان في ضحكه وهو يقول:

يبدو أن الحديث في السياسة أصبح أكثر مزالق من الحديث في الدين في هذه الأيام … ترى هل نحمد أنفسنا على هذا أم نذمّها؟ وعلى كل فأنا فنان فأين تجد أثر العقلية التجريدية، في مفاهيمنا الفنية أم في انتاجنا الفني؟

قال الكاتب: قبل كل شيء أنا أعتقد أن عقليتنا التجريدية هي التي باعدت بيننا وبين الانتاج الفني في النحت والتصوير في حضارتنا القديمة. يقول بعضهم إنَّ الدين الإسلامي هو الذي حال دون إبداع العرب في هذين الميدانين من ميادين الفنون التشكيلية.

ليس هذا صحيحاً، فالدين الإسلامي لم يحل بين الفرس وبين إبداع الصور المنمنمة، المنياتور، على الرغم من أنهم أكثر تعصباً في الدين من العرب. ولكن العرب، كتجريديين ومتحركين، لم يكونوا يطيقون التجسيد ولا التجميد أعني أنهم لم يكونوا يحبّون تحويل الحي إلى جماد، ولا الإنسان والحيوان إلى حجارة أو صور ساكنة. لذا فإن فنهم كان الفن المتحرك الشعر والموسيقى قبل كل شيء.

قال الفنان: وهل تظن أن العرب أعطوا شيئاً مهماً في هذين الميدانين الشعر والموسيقى؟ شيئاً عالمياً؟

قال الكاتب: أنا أفهم ما تعني في رأيك أن «العالمية» هي مقياس الإبداع في الفن. إن هذا المقياس مستحدث، كما إنه ليس مطلقاً. وفي رأيي أن المقياس الحقيقي لقيمة الأثر الفني هو في تأثيره في نفوس الناس المستمتعين به. لذا فإني أعتبر الشعر العربي قد بلغ القمة في روعته الم تقرأ أخبار الذين جادوا بثروات طائلة، وأحياناً بكل ما يملكون، اهتزازاً لبيت شعر سمعوه أو قصيدة قيلت فيهم؟ وأخبار أناس تلقوا الموت بصدر رحب، مندفعين بحماس أثارته فيهم مقطوعة شعرية بليغة؟

 أما عن الموسيقى فحسبك أن تقرأ ما أورده كتاب الأغاني لتدرك روعة الموسيقى العربية والغناء العربي من خلال اثرهما في نفوس المستمعين إليهما في تلك الأزمان. ولكن هذا حديث يطول يا صاحبي. وأنا أريد أن أبين لك أن الزخارف العربية، ليست إلا دليلاً على أثر العقلية التجريدية في ميدان الفن. ليس هذا قولي أنا وحدي، فكذلك يقول بعض مفكري الغرب … شبنغلر مثلا ….

قال الفنان: وماذا يقول أولئك المفكرون؟

قال الكاتب: لست أذكر أقوالهم بالنص. ولكن الزخارف العربية في رأيهم هي تطوير تجريدي لصور الطبيعة الحيّة. فالشكل المخمس في تلك الزخارف مثلاً هو تطوير الصورة ورقة العنب. فبينما يرسم الفنان الآري ورقة عنب بعينها، بانحناءاتها وظلالها، يستخلص الفنان العربي المعنى المشترك لكل أوراق العنب. فهو يجردها من فرديتها ليعطيها معنى عاماً، مجرداً وموحداً، يتكرر دوماً فيخلق الشعور الجمالي من تكرره وتماثله. صور الفن التشكيلي هي تجسيد للأشكال إلهية. أما الزخارف العربية فهي «تجريد» المعاني تلك الأشكال الحيّة. لذا قلت إنَّ الناس عندنا مُؤَهَلون لتقبّل الفن التجريدي أكثر من أنواع الفنون التشكيلية الأخرى….

قال الفنان: هذا يعني أن مستقبل الفن التجريدي مضمون عندنا …

قال الكاتب: نعم، إذا أحسنتم إبرازه وفرضه على الأذواق… كما فعل اليهود.

فتساءل الفنان اليهود؟

قال الكاتب: نعم. إن للفنانين اليهود يداً طولى في انتشار الفن التجريدي المعاصر واكتساحه السوق. إن عقليتهم التجريدية لم تسمح لهم بالتفوق في عالمي التصوير والنحت الكلاسيكيين طوال العصور الماضية، ولكنهم وجدوا في الفن الحديث مجالاً كبيراً للبروز، مستعينين بذلك بنفوذهم وقدرتهم على الدعاية. لا تنس أن الفن الحديث لا ضوابط ثابتة له، وأن مالكي الايحاء الجماهيري والدعاية والتدجيل قادرون على أن يسيروه أو يفرضوه كما يشاؤون واليهود كما تعلم، هم في هذا العصر على الأخص سادة هذه الوسائل الست معي في هذا؟

قال الفنان: هذا صحيح … لقد قفز اليهود لأول مرة إلى الصدارة بل كانوا من روّاد هذا الفن… كاند انسكي مثلاً. وقد أصبحت تقرأ أسماءهم بين أسماء الرسّامين، وتقام لفنانيهم المعارض العالمية، في حين لم يكن لهم قبل ذلك أي بروز في الفنون التشكيلية، بخلاف بروزهم المعروف في الموسيقى أو في الأدب. هناك قسم كبير من أعمالهم يستند إلى التدجيل ولا شك. ولكنني أوافقك في كل حال على أن العقلية السامية ذات نزعة تجريدية.

قال الكاتب: نعم. ومن هنا تجد أن الطابع التجريدي يبدو حتى في المعتقدات الدينية لشعوب شرقي المتوسط للساميين بصورة خاصة. فبينما نجد الآريين في الشرق والغرب قد جسدوا آلهتهم، ونحتوا لها التماثيل، وتصوروها بالصور التي وضعهم فيها كبار فنانيهم، نجد معابد الشرقيين جرداء مقفرة، إذ أن الخالق عندهم فكرة سامية مجردة من كل تشبيه وتمثيل. وفي الدين الإسلامي وصلت هذه الفكرة إلى ذروتها، إذ قال علم الكلام أن لا مجال لتصوير الذات الإلهية بأية صورة متصورة كل ما خطر ببالك فهو غير ذلك ….

قال الفنان وعبادة الأصنام في التاريخ العربي؟

قال الكاتب: كانت تلك فترة جاهلية قصيرة ومضحكة. هل تذكر قصة الأعرابي الذي صنع صنمه من تمر، فلما جاع أكله؟ لقد سار العربي من التجريد إلى التوحيد ليس العرب المسلمون، وليس اليهود وحدهم في هذا. فالكنائس الشرقية القديمة النسطورية مثلاً، كانت كنائس موحدة … ولكنها نحن قد دخلنا في المنطقة الحرام من الدين، منطقة الحديث عن النحل الدينية وعن الطوائف….

قال الفنان وهو يضحك: ذلك الأعرابي الذي صنع صنمه من تمر كان عاقلاً كل العقل، ويا حبذا لو أن كل الأصنام صالحة لتؤكل مثل ذلك الصنم. هذا يذكّرني بأصنام السياسة … وبأنك قلت إن عقليتنا التجريدية قد انعكست على سياستنا . فكيف كان ذلك؟

قال الكاتب وهو يتأهب لوداع صديقه وهذه أيضاً يا صاحبي منطقة حرام… منطقة محظورة. فدعنا من الحديث عنها … على الأقل في هذه الأيام….

*طبيب وأديب سوري

من مجموعة جيل الدربكة/ 8/4/1968

جيل الدربكة / آراء في العلم والفكر والسياسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى