آثار

تل مريبط .. أول سكن واستقرار في تاريخ البشرية

مؤيد العجيلي

عندما سُئل عالم الآثار واللسانيات الأسترالي الشهير “فير جوردون تشايلد” عن السر الكامن وراء تأخر الإنسان في معرفة البناء فوق الأرض حتى بداية العصر الحجري الحديث، أجاب باختصار بليغ: لأن الثقافة لم تكن بعد جاهزة. لقد نشأت العمارة كاستجابة غريزية عندما اقتضت حاجة الإنسان لحماية نفسه من الأخطار الطبيعية والحيوانية المحيطة به، فبنى مسكنه الأول وفق الإمكانات المتاحة في بيئته المعاشة، مستخدماً ما تجود به الطبيعة للوقاية من الحر والبرد والضواري؛ وهو ما دفع اللاقطين الأوائل تاريخياً لاتخاذ الكهوف والمغاور الصخرية ملاذاً وحيداً لهم.

بعد انحسار العصر الجليدي عن وجه الكرة الأرضية قبيل نهاية العصر الحجري القديم وتحديداً نحو 16000 قبل الميلاد، خرج الإنسان من مخابئه المظلمة في تلك الكهوف، وبدأ رحلة معرفية وتجريبية شاقة استمرت آلاف السنين، حتى اهتدى في نهاية المطاف إلى فلسفة البناء فوق سطح الأرض. وكانت البداية التاريخية المذهلة في تل “المريبط” على حوض الفرات الأوسط؛ إذ شهد الموقع أول ظهور موثّق للعمارة الطينية في العالم.

استطاع الإنسان هناك تشييد أوّل بيت دائري كبير وفق تقنية مبتكرة ملائمة للبيئة، حيث حُفر هذا البيت على منحدر التل الغربي المطل مباشرة على نهر الفرات. أثبتت التنقيبات أن الجدار الشرقي لهذا البيت بُني بالكامل من الطين، وتم تثبيت التربة الطينية من الداخل بواسطة أعمدة خشبية متراصة من شجر الحور الذي كان ينمو بكثافة في حوائج الفرات القريبة، ثم جرى إكساؤها بالطين. أما جدار البيت من جهة الغرب، فكان فوق سطح الأرض بالكامل تقريباً، وشُيّد من الطين المدكوك Crushed clay المدعم من الخارج بالأعمدة.

أما من الداخل، فقد قُسم البيت بواسطة جدران طينية تتخللها ألواح خشبية، ليمثل ذلك أول نموذج لمنزل متعدد الأجزاء ومنفصل الوظائف (للنوم، والطهي، والمعيشة) وفي المقابل، تكوّن السقف من دعامات خشبية مغطاة بالطين المدكوك، بينما احتوت الساحات الصغيرة الفاصلة بين البيوت على حفر لمواقد شبه دائرية (كوش) وفسحات عمل مرصوفة بالحجارة الصوانية بانتظام. ولم تقف هذه البيوت عند حدود الوظيفة الإنشائية، بل لفتت الأنظار بلمستها الجمالية الفريدة؛ حيث زُينت بعض الجدران برسوم ذات أشكال هندسية محورة ومستوحاة من الطبيعة المحيطة، ما يعكس رقيّاً ذوقياً مبكراً.

في مرحلة لاحقة، طرأ تغير هادف على أشكال البيوت هندسياً؛ حيث ظهرت الغرف المستطيلة الضيقة بعرض مترين تقريباً والتي استُخدم بعضها للمؤونة والمخازن. ومع ازدياد عدد أفراد الأسرة الواحدة وتدجين الحيوانات، ظهرت حاجة ملحة لبناء بيوت أكبر سعة ومستطيلة الشكل، ثم شُيدت لاحقاً بيوت مربعة أكثر دقة من الناحية الهندسية لاستيعاب العائلات، والحيوانات المهجنة، ولوازم العيش اليومي.

ومع تشكل الثقافات والحضارات الكبرى، غدت العمارة المكون الأساسي للثقافة المادية، والترمومتر الذي يقيس نمط حياة الإنسان ودرجة تحضر المجتمعات؛ ولذلك لجأ البشر إلى إعادة ترتيب الحيز المكانى والمعاشي باستمرار كناتج مباشر لجهودهم وتعبير عن بيئتهم التي ظلت المصدر الأول لمواد البناء. لقد أبدع الإنسان في تشييد مبانٍ حضارية متطورة خلال المرحلة الكتابية، وظلت العمارة الإسلامية سائدة طيلة القرون الوسطى وحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.

وفي هذه الفترة، أُعيد إنتاج بناء القبب الطينية في أنحاء واسعة من الشرق الأوسط، لا سيما في شمال سورية وشرقها. وقد شُيدت أولى القباب في سورية والمنطقة بمادة اللبن المجفف تحت أشعة الشمس في منطقة الجزيرة الفراتية وشمال العراق، علماً أن هذه الديار عرفت القباب منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، أي قبل ظهور الحضارة السومرية.

تعتبر العمارة الطينية، وخاصة البناء المقبب في سورية، فناً يعكس تاريخ الشعوب وعمقها التراثي. فالطين كمادة أساسية يتميز بكونه عازلاً طبيعياً ممتازاً للحرارة. ويقوم بناء البيت المقبب على مداميك مشيدة من اللَّبِن و”الواحدة لَّبِنة”، حيث تبدأ القبة من قاعدة مربعة منخفضة قريبة من مستوى الأرض، ثم تتحول بسلاسة هندسية مذهلة إلى الشكل الدائري، متمتعة ببنية إنشائية رائعة ومقاومة للظروف الجوية.

عند بداية الانبعاث الأخير لمدينة الرقة عقب الخراب الذي ألحقه بها التتار وهجرانها لقرون، برز شكل البيت الطيني الجديد بدءاً من عام 1963. إذ قامت الجماعات المتحلقة حول المخفر العثماني المحدث آنذاك ببناء بيوت مربعة ومستطيلة على أنقاض المدينة العباسية المدمرة، مستخدمين آجر سورها الأثري القديم. ومع حلول ثلاثينيات القرن العشرين، بدأ التوجه نحو الاستقرار الدائم في السكن الريفي، لتزخر أرياف الرقة بمجموعات هائلة من المباني المقببة ذات الأبعاد المناخية والاقتصادية المتلائمة مع البيئة شبه الصحراوية.

إن القباب تعد إنشائياً حلاً عبقرياً لمواجهة الطقس الجاف؛ فهي أقل امتصاصاً للحرارة مقارنة بالأسطح المستوية بفضل شكلها الدائري الذي يخلصها من الحرارة المخزنة نهاراً خلال ساعات الليل. كما أن عدم انتظام توزع الإشعاع الشمسي على كامل السطح الدائري يضمن بقاء جزء من القبة مظللاً دائماً، وهو ما يخفض درجة الحرارة الداخلية بشكل محسوس؛ وهي التقنية العريقة التي كُشف عنها أيضاً في الأثر التاريخي الشهير بيمارستان السلام “قصر البنات” بالرقة.

أخيراً، تظل عمارة الطين رصيداً سكنياً مستداماً في المدن الصغرى والقرى السورية. وإن إعادة الاعتبار لهذا النمط المعماري تحقق كفاءة بيئية واقتصادية عالية قائمة على المشاركة المجتمعية وترشيد استخدام الطاقة وتقليل من فرص التحول المناخي، فضلاً عن كونها إرثاً حضارياً مادياً يثبت أن “الرقة” كانت -وستبقى- المهد الأول للحضارة، والاستقرار، والزراعة، والبناء فوق الأرض في العالم.

صحافي سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى