آراء و مقالات

رحلة الحياة والتحديات في تجربة الأمهات العازبات

حياة الرايس تقدم قراءة إنسانية واجتماعية في ظاهرة مسكوت عنها

الطيب ولد العروسي

تظل قضية الأمهات العازبات من الملفات الاجتماعية الحسّاسة التي تحاصرها الأحكام المسبقة وتثقلها الوصمة والصمت في مجتمعات عديدة. وفي كتابها الصادر عام 2024، تفتح الكاتبة والباحثة التونسية حياة الرايس نافذة على هذه التجربة الإنسانية المعقّدة، مستكشفة أبعادها الاجتماعية والنفسية والقانونية، وداعية إلى مقاربة تحترم الكرامة والحقوق الإنسانية.

لم ألتقِ بالكاتبة والشاعرة والصديقة والمبدعة حياة الرايس منذ عدّة سنوات، لكنني ظللت أتابع كتاباتها وأعمالها الأدبية والاجتماعية عن كثب عبر وسائل النشر المتنوعة والمنابر الثقافية. وفي زيارتها الأخيرة إلى باريس، المدينة التي تحتل مكانة خاصة في قلبها، التقيتها مجدداً بعد غياب. باريس التي تستثير في ذاكرتها مشاهد خالدة من تاريخها الثقافي والفكري، لا سيما شوارعها الشهيرة وساحاتها وفضاءاتها ومؤسساتها العامة التي تفيض روحاً إبداعية وتنوعاً ثقافياً.

قضينا معاً بضع ساعات ممتعة في الحي اللاتيني، المعروف بجذوره العلمية والفكرية وكونه ملتقى أكبر المفكرين والفنانين عبر العصور. وكان معنا الدكتور عبد الستار، الأكاديمي والخبير في الدراسات الثقافية، مما أضاف بعداً معرفياً عميقاً إلى جولتنا. وكانت هذه الفرصة مناسبة لاستكشاف بعض الأماكن التي كانت شاهدة على ولادة أفكار وأعمال غيرت وجه العالم.

بدأنا زيارتنا من مقهى “بروكوب”، أشهر مقهى في باريس، الذي شكّل ملتقى دائماً للكتاب الفرنسيين الكبار، مثل ديدرو وفولتير ولامارتين، إلى جانب فنانين أثروا الحركة الثقافية والفكرية في أوروبا. ويحتفظ المقهى بجو من الحميمية يحيي روح القرون الماضية، حيث كانت تتلاقى العقول لتبادل الأفكار والنقاش.

بعدها توجهنا إلى “كوليج دو فرانس” لزيارة المعرض المخصص للفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو، الذي شكلت أفكاره منعطفاً مهماً في الفلسفة الاجتماعية والسياسية الحديثة. وقد عرض المعرض حياة فوكو وأعماله التي تناولت السلطة والمعرفة والانضباط، ما أثار نقاشاً مثمراً بيننا حول ربط الفلسفة بالنضالات الاجتماعية المعاصرة.

ثم انتقلنا إلى شارع “موفتار”، حيث وقفنا أمام المبنى الذي كان مسكناً للشاعر الفرنسي بول فيرلين، وكذلك للكاتب الأميركي إرنست همنغواي، وأخذنا لحظة للتأمل في المكان وتاريخه الأدبي الغني. واختتمنا جولتنا بتناول العشاء في مطعم ياباني هادئ، حيث حدثتني حياة عن مشروعها الأدبي الجديد، كتابها “الأمهات العازبات”، وشاركتني أفكارها العميقة وتجاربها الشخصية حول هذا الموضوع الاجتماعي الحساس.

صدر الكتاب عام 2024 عن دار النشر “أي كتب” في لندن، وهو عمل بحثي معمّق يُعالج ظاهرة الأمهات العازبات في المجتمعات العربية، وهي قضية إنسانية واجتماعية تعد من المواضيع المسكوت عنها عادة، والمحاطة بأحكام مسبقة وصور نمطية ووصمة ثقيلة على الصعيدين الأخلاقي والاجتماعي.

ينطلق الكتاب من رؤية تهدف إلى تفكيك الصور النمطية السلبية التي تحيط بالأمهات العازبات، ويسعى إلى تجاوز الخطابات التقليدية التي تتراوح بين التستر القسري والاستنكار الاجتماعي، وبين التذنيب والإدانة، ليفتح باب الحوار أمام رؤية معاصرة تعتمد على الحقوق الإنسانية والمناهج العلمية الحديثة.

وتراهن حياة الرايس على احتضان واقع معقد يتداخل فيه الحزن مع التحدي، والمجتمع مع الفرد، لتقديم صورة متجددة للأم العازبة بوصفها شخصية إنسانية فاعلة تواجه أبعاداً اجتماعية وأخلاقية وقانونية وثقافية متشابكة.

وتؤكد الكاتبة والباحثة التونسية أن قضية الأم العازبة ليست مسألة هامشية أو استثنائية، سواء في المجتمعات العربية الإسلامية أو حتى الغربية، بل هي مرآة تعكس التحولات العميقة التي تشهدها هذه المجتمعات من حيث التقاليد والقيم وتأثير العولمة. ومن ثم يجب التعامل معها بمنهج شامل يراعي الجوانب النفسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، بما يضمن كرامة هؤلاء النساء.

تسلط حياة الرايس الضوء، بجرأة وحساسية، على الصعوبات العديدة التي تعاني منها الأم العازبة في بلداننا العربية، حيث يُنظر إليها غالباً على أنها “فضيحة” تهدّد النسيج الاجتماعي والعائلي، وتُحاكم بسبب اختيارات حياتية أو ظروف مأساوية أُجبرت على العيش في ظلها.

وتُجبر كثيرات منهن على الاختفاء والتستّر والانسحاب من الحياة العامة خوفاً من العار أو من العنف الأسري والاجتماعي.

وفي بعض الدول، تصل الأمور إلى حد جرائم الشرف، التي تُعامل أحياناً بتساهل قضائي أو تمارس بأقصى درجات القسوة باسم “الثقافة”، وهو ما يدل على هشاشة المنظومة القانونية والاجتماعية في حماية حقوق المرأة والطفل.

كما تتحدث الباحثة عن العزوف الشديد لدى كثير من النساء عن الحديث أو الإفصاح عن تجاربهن بسبب الخوف والوصم الاجتماعي، ما يجعل العمل البحثي صعباً وحساساً إلى حد بعيد.

تتبنى حياة الرايس في كتابها مقاربة إنسانية وشمولية، تدعو من خلالها إلى إخراج الأم العازبة من دائرة الصمت والتستر والإدانة، والانفتاح على معالجة موضوعية تراعي الحقوق الفردية والكرامة الإنسانية بغض النظر عن الخلفيات الثقافية والدينية.

وتؤمن الكاتبة بأن قضية الأم العازبة ليست مجرد قضية نسائية، بل قضية مجتمعية عامة، وأن احترام حقوق المرأة يعزّز نضج المجتمع ويقوده نحو الحرية الحقيقية.

كما تركّز على أهمية تمكين المرأة لتكون كياناً ذاتياً مستقلاً، قادراً على التعبير عن نفسه بحرية، ويمتلك صوته في اتخاذ القرارات الخاصة بحياته، بدلاً من أن يكون موضوعاً للقيود أو الأحكام الاجتماعية المثقلة بالتحامل.

وجدير بالذكر أن حياة الرايس مبدعة وكاتبة وباحثة تونسية، لها رصيد غني في الأدب والدراسات الاجتماعية. وتشمل أعمالها إبداعات في مجالات القصة والشعر والبحث العلمي. وقد حصدت عدّة جوائز محلية ودولية تقديراً لإسهاماتها الأدبية والبحثية التي تتسم بالجرأة الفكرية والبعد الإنساني.

ويفتح اختيارها لموضوع “الأمهات العازبات” نافذة جديدة على قضايا طالما ظلت مهملة أو ممنوعة من النقاش بسبب حساسيتها الاجتماعية، وهو ما يعكس شجاعة فكرية واجتماعية في مواجهة المحرمات والتحديات.

كاتب جزائري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى