يوميات

سوريا بعيون الطبيب تمام كيلاني

عبد الكريم البليخ

ما أجمل أن يتحوّل اللقاء مع الوطن إلى فسحة دافئة للحوار والحنين، بعيداً عن صخب الشعارات وضجيج الاصطفافات. فالوطن، حين يُستعاد بالكلمات الصادقة، لا يعود مجرد خارطة معلّقة في الذاكرة، بل يتحوّل إلى نبض حيّ يسكن الوجدان، وإلى تفاصيل صغيرة قادرة على إيقاظ سنوات طويلة من الشوق والأسئلة والوجع الجميل.

في تلك الأمسية الودّية التي جمعت أبناء الجالية السورية في النمسا، بدا حديث طبيب العيون تمّام كيلاني أقرب إلى شهادة إنسان عاد ليصافح ذاكرته الأولى بعد غياب طويل. لم يكن يروي مشاهد عابرة من رحلة عودة، بل كان ينقل للحضور صورة متوازنة لوطنٍ أنهكته السنوات، لكنه ما يزال يحتفظ بشيء من روحه القديمة، وبقدرته العجيبة على بثّ الأمل في نفوس أبنائه.

وقد حملت كلماته بعداً إنسانياً عميقاً، وهو يتحدث عن مشاركته في “أسبوع العلم” بمدينة حلب، وعن وقوفه مجدداً في الجامعة التي تخرّج منها قبل أكثر من خمسة وأربعين عاماً، ليُلقي محاضرة في طب العيون بين جدران حملت شبابه الأول وذكرياته البعيدة. كان واضحاً أن اللقاء بزملاء لم يرهم منذ عقود لم يكن مجرد مناسبة أكاديمية، بل مواجهة مؤثرة مع الزمن، ومع صورة الإنسان حين يعود إلى المكان الذي شكّل بداياته.

طبيب العيون تمّام كيلاني

ولم تتوقف الرحلة عند حدود الحنين الشخصي، بل امتدت إلى همٍّ جماعي يتعلّق بمستقبل سوريا وحاجتها إلى العلم والخبرات والكفاءات. فالحديث عن الجامعات والمشافي والمدارس لم يكن تفصيلاً عابراً، بل إشارة واضحة إلى أن إعادة بناء الإنسان تبقى المدخل الحقيقي لإعادة بناء الوطن. لذلك بدا تبرعه بأجهزة طبية، ولقاءاته مع الأطباء والإدارات الصحية، وكأنها محاولة لردّ جزء من الدَّين المعنوي تجاه البلاد التي صنعت بداياته العلمية والإنسانية.#

وكان للمشهد الاجتماعي حضوره اللافت أيضاً؛ إذ تحدث الدكتور كيلاني عن الفرح الذي ارتسم على وجوه الأطفال والأهالي خلال افتتاح مدرسة في سهل الغاب، وعن شعوره بأن الأمل ما يزال ممكناً رغم التعب. كما أشار إلى التغيّرات التي لمسها في المدن السورية، من تحسن النظافة وعودة المياه إلى بعض الأنهار التاريخية، إلى مظاهر الحرية التي تملأ الشارع السوري اليوم، وإن بقيت التحديات المعيشية والازدحام والفوضى اليومية جزءاً من صورة الواقع المعقد. فضلاً عن انتشار ظاهر النرجيلة لدى السيدات، وفوضى الدرجات النارية التي صارت تشكل خطورة كبيرة على المواطنين وضرورة العمل على لجمها والحد من انتشارها.

وقد نجح، بأسلوبه القريب من القلب، في أن ينقل الحضور إلى أزقة دمشق القديمة، إلى سوق الحميدية والجامع الأموي، حيث تختلط رائحة التاريخ بصوت الحياة اليومية. هناك، بدا الوطن أقلّ قسوة وأكثر قدرة على استعادة ملامحه، وكأن المدن نفسها تحاول أن تنهض من تعبها الطويل.

لقد كانت الأمسية أكثر من مجرد لقاء ثقافي؛ كانت محاولة جماعية لترميم العلاقة مع المكان الأول، وتأكيداً أن سوريا ليست مجرد جغرافيا متعبة أو أخبار متلاحقة، بل ذاكرة حيّة وروح عصيّة على الانطفاء.

وربما لهذا السبب ظلّت كلمات الدكتور تمّام كيلاني قادرة على ملامسة القلوب، لأنها خرجت من إنسان رأى وطنه بعين المحبّ لا بعين العابر، ونقله للحاضرين كما هو: مزيجاً من الألم والأمل، ومن الخسارة والإصرار على الحياة.

الصور بعدسة / طلال مرتضى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى