أدب

«غليان التراب»… رواية كردية تستعيد وجع الأرض وذاكرة الاقتلاع

الرواية تطرح أسئلةً حول ما يبقى من الإنسان حين يفقد أرضه وذاكرته

قدّمت منشورات “رامينا” في لندن، مؤخراً، الترجمة العربية لرواية «غليان التراب» للكاتب الكردي أحمد ياسين بَندي، بترجمة شَمال آكريي، في إصدارٍ يضع بين يدي القارئ العربي تجربةً روائيةً تقترب من واحدةٍ من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً؛ حيث تتقاطع أسئلة الأرض والاقتلاع والذاكرة والهوية ضمن بناءٍ سرديٍّ يمزج بين الحكاية والتأمل، ويمنح الشخصيات فضاءً واسعاً للكشف عن مصائرها في عالمٍ يتداعى من الداخل، ويعيد تشكيل نفسه على أنقاض ما فقده من قيمٍ وعلاقاتٍ وأمكنة.

يفتح أحمد ياسين بَندي، في روايته، نافذةً على واقعٍ تتآكل فيه الركائز الأخلاقية والإنسانية، فتغدو الأرض شاهداً على محو القرى، وإهمال الحقول، وتلوث المياه، واقتلاع البشر من جذورهم. ولا تبدو الأرض في الرواية مجرد مكانٍ صامتٍ تجري فوقه الأحداث، بل تتحول إلى كائنٍ حيٍّ يحمل آثار العنف، ويختزن أصوات الغائبين وذكرياتهم، ويقاوم محاولات المحو والنسيان.

ومن خلال هذا المناخ المثقل بالخراب، تطرح الرواية أسئلتها الكبرى حول قدرة الإنسان على مواصلة الحياة فوق أرضٍ فقدت توازنها، ودور الذاكرة في حماية الهوية حين تتعرض الأمكنة للعطب، وحين يصبح الانتماء نفسه مهددًا بالاندثار.

وتقوم الرواية على بنيةٍ سرديةٍ تتشكل من مقاطعَ متتابعةٍ، يحمل كلٌّ منها عنوانه وإيقاعه الخاص، بما يجعل النص أشبه بمحاولةٍ لجمع شظايا عالمٍ مكسورٍ، مع الاحتفاظ بآثار الانهيار داخل نسيجه الحكائي. وتمنح هذه التقنية العمل كثافةً فكريةً وجماليةً، إذ تتحول كل حكايةٍ إلى نافذةٍ على الفقد والخوف والخيانة والتشبث بالأرض، وعلى بحث الإنسان الدائم عن معنىً في زمنٍ تتهاوى فيه القيم القديمة، وتتأخر ولادة البدائل. ويغدو التقطيع السردي انعكاساً لتشظي الذاكرة ذاتها، وكأن الرواية تحاول أن تعيد ترتيب ما بعثرته الحروب والتحولات القاسية من صورٍ وحيواتٍ ومصائر.

رواية غليان التراب

وتتحرك شخصيات الرواية بعمقٍ إنسانيٍّ لافتٍ؛ فالعم إسماعيل يحمل وجع الأب الذي ابتلع الغياب أبناءه، ويجد في رائحة التراب عزاءً يعيد وصل الذاكرة بالحياة، كما لو أن الأرض وحدها ما تزال قادرةً على تعويضه عن الخسارات التي أثقلت روحه. أما كولى فتجسد مأساة المرأة التي تخوض صراعاً يوميّاً بين سلطة الأعراف ورغبتها في النجاة، وتكشف تجربتها هشاشة الموقع الذي تُدفع إليه المرأة حين تتشابك التقاليد مع القهر الاجتماعي. فيما تكبر ريلو وسط فراغٍ قاسٍ، بحثاً عن معنىً يمنح حياتها تماسكاً، ويحميها من السقوط في هاوية العزلة والضياع.

ويعيش ميرو انقساماً دائماً بين الطاعة والتمرد، بين الخضوع لما فُرض عليه والرغبة في كسر القيود، بينما يحضر جَنكو بوصفه امتداداً لذاكرة الحروب الطويلة التي تترك ندوبها في البشر والمكان معاً.

ولا تكتفي الرواية برصد التجارب الفردية، بل تتجاوزها إلى تأمل البنية الاجتماعية التي تتيح استمرار الظلم عبر تداخل السلطة والمال والأعراف، كاشفةً كيف ينتقل العنف بين الأجيال كما تنتقل ملكية الأرض، وكيف يصبح القهر جزءاً من الحياة اليومية حين يفقد المجتمع قدرته على مساءلة ممارساته القديمة. وهنا يتحول التراب إلى ذاكرةٍ جماعيةٍ تحفظ الدموع والآلام، وتختبر قدرة الإنسان على الصمود أمام التحولات العنيفة، كما يصبح رمزاً للهوية المهددة، وللعلاقة العميقة بين الإنسان والمكان الذي وُلد فيه، حتى وإن أُجبر على مغادرته.

ويحضر الاقتلاع في الرواية بوصفه تجربةً نفسيةً واجتماعيةً، لا تقتصر على فقدان البيت أو الأرض، بل تمتد إلى فقدان الشعور بالأمان، واضطراب العلاقة مع الذات والآخرين. فالإنسان المقتلع لا يحمل معه ذاكرته فقط، بل يحمل أيضاً خوفه من أن يصبح غريباً عن نفسه، وأن تتحول حياته إلى سلسلةٍ من المحاولات لاستعادة ما لم يعد ممكناً استعادته كاملاً.

ومن هنا تكتسب الرواية بعدها الإنساني الأوسع، إذ تتجاوز خصوصية البيئة الكردية إلى ملامسة تجارب شعوبٍ كثيرةٍ عانت التهجير والحروب ومحو الأمكنة.

وتمنح الترجمة العربية التي أنجزها شَمال آكريي الرواية حضوراً جديداً لدى القارئ العربي، إذ تنقل حرارة النص الأصلي وخصوصيته الثقافية وإيقاعه الداخلي، مع الحفاظ على روحه الإنسانية، لتغدو الرواية جسراً أدبيّاً بين ثقافتين، وتجربةً محليةً مفتوحةً على أسئلةٍ إنسانيةٍ أوسع. فالترجمة هنا لا تؤدي وظيفة النقل اللغوي فحسب، بل تتيح للنص أن يعبر حدود لغته الأولى، وأن يدخل في حوارٍ مع ذاكراتٍ عربيةٍ عاشت تجارب مشابهةً من الفقد والاقتلاع والبحث عن الأمان.

وقال الناشر هيثم حسين، مدير منشورات “رامينا” في لندن، إن الرواية تمثل إضافةً نوعيةً إلى مشروع الدار في نقل الأدب الكردي إلى العربية؛ كونها تنطلق من خصوصية المكان لتلامس قضايا الإنسان في كل مكانٍ، وتتيح للقارئ التأمل في العلاقة بين الأرض والهوية والذاكرة. وأكد أن ترجمة العمل تأتي ضمن رؤيةٍ ثقافيةٍ تهدف إلى توسيع حضور الأدب الكردي في المشهد العربي، وتعزيز الحوار بين اللغات والثقافات، وإتاحة المجال أمام القارئ العربي للتعرف إلى تجاربَ أدبيةٍ ظلت زمنًا طويلًا بعيدةً عن دائرة القراءة الواسعة.

الناشر هيثم حسين

وتتجاوز «غليان التراب» حدود الحكاية المباشرة، لتطرح أسئلةً حول ما يبقى من الإنسان حين يفقد أرضه وذاكرته، وكيف تستمر الكرامة تحت وطأة الحصار، وما الصورة التي تتخذها الحياة عندما يتحول البقاء ذاته إلى انتصارٍ يوميٍّ يُنتزع بصعوبةٍ.

إنها روايةٌ عن الأرض حين تصبح ذاكرةً، وعن الذاكرة حين تتحول إلى وسيلةٍ للمقاومة، وعن الإنسان حين يجد نفسه مطالباً بأن يعيد بناء حياته من بين الركام، من دون أن يتخلى عن جذوره أو يسمح للنسيان بأن ينتصر.

يُذكر أن الرواية صدرت في 188 صفحةً من القطع المتوسط، وجاء غلافها من تصميم الفنان الكردي العراقي عمر سيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى