آراء و مقالات

«قلوب على الأسلاك» .. رواية تشرّح الإنسان والمجتمع

تعد رواية “قلوب على الأسلاك” للأديب والطبيب الراحل عبد السلام العجيلي، من الأعمال الأدبية التي تجعل الإنسان نقطة الانطلاق الأساسية في قراءة المجتمع وتحولاته، وتتعامل مع التحولات السياسية والاجتماعية كجزء فاعل في الحياة اليومية، وتتتبع حضورها المباشر في العلاقات الإنسانية، وفي الطريقة التي ينظر بها الأفراد إلى مفاهيم الحب والأسرة والعمل والمستقبل.

ومن خلال هذا المسار السردي المتدفق، تتقاطع التجربة الخاصة للشخصيات مع المشهد العام لسوريا في مرحلة تاريخية اتسمت بتبدل منظومة القيم وظهور أسئلة جديدة وحادة حول الهوية والانتماء، وهي أسئلة لا تزال حاضرة في الواقع السوري اليوم، مع استمرار المجتمع في إعادة تعريف علاقته بذاته وبماضيه ومستقبله في ظل المتغيرات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

يختار العجيلي مدينة دمشق مكاناً لحركة السرد، فتغدو المدينة مكاناً أساسياً للأحداث، الأحياء القديمة مع ملامح العمران الحديث، فتبدو مسرحاً كبيراً يتشكل فيه وعي البطل “طارق عمران”، وهو شاب قادم من الريف مأخوذ بسحر المدينة ورونقها، وتتنقل الشخصيات بين الشوارع والبساتين ووسائط النقل من الترام والسيارات، وصولاً إلى البيوت والمقاهي التي تتصدرها حوارات المثقفين المطاردين كمقهى “البرازيل”.

ومن خلال هذا التنقل المترامي، ينعكس التنوع على طبيعة العلاقات التي تنشأ بين الشخصيات، فينجح العجيلي، الذي جمع بين الطب والسياسة والأدب منذ إصداره مجموعته الأولى “بنت الساحرة” عام 1948، في إبراز هذا الاختراق الطبقي ورتّق الفتق بين مكوّنات المجتمع السوري، متتبعاً حركة المكان الذي يواكب تبدلات أبطاله في مدينة تعيش حالة من الحركة المستمرة.

وفي الوقت الذي قد يظن فيه القارئ للوهلة الأولى أن الرواية تدور حول الحب، يكشف البناء السردي القائم على تشابك الخاص والعام أن غراميات الشاب ليست سوى مدخل لقراءة قصة سنين مضطربة عصفت بالبلاد، فتتجلى تجربة “طارق” العاطفية عبر تقاطعه مع أربع نساء في دمشق يُمثلن صوراً متعددة للتحول الاجتماعي، فهناك “هدى” التي قادته إلى الحب على طريقتها، و”ماجدة” التي قدمت له قلبها في تفتحه الأول فهرب منها، و”نهاد” صاحبة الشخصية القوية التي حاول استهواءها لكنها فضلت عليه عمّه الثري قبل أن تتكيف مع واقعها وتلتحق بمسؤول نافذ، و”صفية” التي أحبّها في صمت ولم يجرؤ على البوح لها.

ويبرز في الرواية حضور الوعي كأحد المحركات الرئيسية للسرد، حيث ينعكس المشرط الطبي لدى العجيلي جلياً في طريقة مقاربة الشخصيات، إذ يتجه النص إلى تشريح الانفعالات والحالات النفسية من الداخل وملاحظة الدوافع التي تقف خلف السلوك الإنساني، فالأبطال يخوضون حواراً داخلياً متواصلاً يتصل بمواقعهم داخل المجتمع وبقدرتهم على التوفيق بين الرغبة الفردية والالتزام الاجتماعي، فتغدو الأحداث امتداداً لحركة التفكير بقدر ما هي امتداد لحركة الفعل، لتصبح التجربة النفسية جزءاً أصيلاً من البناء الحكائي.

وتكتسب “قلوب على الأسلاك” بعداً نقدياً وسياسياً أعمق عند قراءتها، فيرصد القارئ أشكال الوعي لدى الطبقة البرجوازية السورية عشية الانفصال بين سوريا ومصر عام 1961، ويتجلى هذا الطرح في شخصية عبد “المجيد عمران”، عم البطل، الذي يمثل البرجوازية ذات الأصول الإقطاعية، والذي كان يُقاتل لإنشاء مشروع تحديثي طموح لبناء تلفريك يربط قمة قاسيون بقلب دمشق، لكن مع شعوره بقرب الانهيار السياسي والتداعيات الاقتصادية المتلاحقة، يتراجع طموح التحديث ويتحول إلى فشل، ليختار العم القفز من المركب والهجرة مع زوجته، حيث يكون الهروب خياراً للحفاظ على جوهر ثروته والتكيّف مع الواقع الجديد، تاركاً الفقراء والعاجزين وحدهم في مواجهة المجهول.

ويحمل عنوان الرواية دلالة رمزية مكثفة تفتح المجال أمام أكثر من تأويل، فالأسلاك تستحضر صورة الاتصال والانفصال في الوقت نفسه، وتوحي بحالة التوتر الحاكم للعلاقات الإنسانية والسياسية، وتصبح القلوب المعلقة على الأسلاك تعبيراً عن أفراد يحاولون الوصول إلى توازن صعب بين ما يرغبون فيه وما يفرضه الواقع في وقت تتبدل فيه المرجعيات، أما الزمن الروائي، فيسير بإيقاع الحياة اليومية عبر تراكم التفاصيل، حيث يجاور الماضي الحاضر في ذاكرة الأبطال، لتهبط رحلة الشاب المنبهر بدمشق عند محطة الفشل والعودة إلى قريته بعد أشهر قضاها في العاصمة، في إشارة إلى فشل البرجوازية في إكمال مشروعها التحديثي وفي تأصيل وجودها في الوطن.

تعتمد لغة الرواية على الوضوح والتكثيف مع حضور غني للحوار، للكشف عن اختلاف وجهات النظر، وتمنح هذه اللغة مساحة للقارئ لمتابعة تطور أبطالها ومصائرهم، وتفتح الرواية باباً لقراءة الطبقة الوسطى السورية ومخاوفها وطموحاتها ضمن نسيج السرد.

لذلك، تظل “قلوب على الأسلاك” عملاً ينظر إلى الإنسان من داخل زمنه، ويمتلك راهنية تجعل من أفكارها وإسقاطاتها الاجتماعية والسياسية مادة حية تواكب واقعنا الحالي، محولة الحكاية الفردية إلى مرآة لقراءة مرحلة كاملة من تاريخ سوريا عبر أسئلة الحب والحرية والانتماء.

صدرت الطبعة الأولى من رواية قلوب على الأسلاك للكاتب السوري عبد السلام العجيلي عام 1974 عن دار الأهلي للطبع والتوزيع، وصنّفت ضمن أفضل مئة رواية عربية.

الأديب الطبيب عبد السلام العجيلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى