اعترافات صحافية
عبد الكريم البليخ

في مدينةٍ تُثقلها تناقضات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، قرّر صحافي ناشئ، يتقد حماسة ويكاد يذوب عشقاً لمهنته، أن ينزل إلى الميدان، متأبطاً دفتره الصغير وقلمه، باحثاً عن إجابات تتجاوز الكلمات العادية إلى ما يشبه المرآة التي تعكس وجوه الناس وأعماقهم. كانت فكرته بسيطة في ظاهرها، لكنها معقّدة في جوهرها: أن يسأل الناس عن إجازاتهم السنوية. كيف قضوها؟ وما الذي تركته في نفوسهم؟ وهل أنعشت قلوبهم أم زادتهم تعباً على تعب؟
لم يكن يتوقع أنّ هذه الإجابات ستفتح له أبواباً غير متوقعة: أبواب الماضي، خيبات السياسة، أوهام الشهرة، هواجس الحرب، خيالات الأدب، وجروح الفقر. لقد تحوّل سؤاله البسيط إلى بئر عميقة تتدلى منها حبال التاريخ والنفس والاجتماع، حتى بدا وكأنه يستمع إلى أصوات مدينة بأكملها، لا مجرد بضعة أفراد.
كان أول من التقاهم وزير سابق، بدا وجهه مشوباً بحزن عميق لا يخلو من ندم. تحدّث بصوت خافت وكأنه يعترف أمام محكمة ضميره:
“أمضيت إجازتي في بيتي، أعيد ترتيب قراءاتي لعدد من الكتب التي ألفتها سابقاً. أدركت أنَّ كثيراً مما كتبت لم يكن سوى انعكاس لزيارات رسمية، واجتماعات عقيمة، وحوارات لا تسمن ولا تغني. كانت كتاباتي توثيقاً لسطوة المنصب أكثر منها خادمة للناس”.
في كلماته ارتجف الحنين إلى فرصة ضاعت. قال إنه تمنّى لو عاد وزيراً أو حتى رئيس وزراء، لا ليعيد المجد الشخصي، بل ليخدم الشعب حقاً، ليعوّض ما فات. بدا صوته مشابهاً لنداء إنسان عاش في قصر من المرمر لكنه لم يتذوق طعم الخبز الساخن في بيوت الفقراء.
كان كلامه تجسيداً لطبقات كاملة من التاريخ السياسي: وزراء مرّوا وتركوا خلفهم مكاتب مملوءة بالأوراق، وخزائن مغلقة، وشعوباً تنتظر أن تمتد إليها يد العدل. كان صوته في تلك اللحظة يشبه أطلال مبانٍ حكومية متهالكة؛ جدرانها شاهدة على الزمن، لكنها صامتة عن الحقيقة.
ثم التقى مذيعة تلفزيونية، تعيش في عالم آخر، عالم الأضواء والشاشات. كانت كلماتها كأنها مكتوبة بخيوط من حرير وبريق من مجلات الموضة:
“قضيت إجازتي في إحدى دول الاتحاد الأوروبي، متنقلة من مدينة إلى أخرى كالنحلة، أتذوق رحيق المحلات العالمية للأزياء. كانت متعة لا بعدها ولا قبلها”.
لكنها، وهي تسرد تفاصيل رحلاتها، لم تنس أن تعود إلى جمهورها. تحدّثت عن النساء اللواتي انتظرن ظهورها على الشاشة ليعرفن كيف يرتدين، وكيف يقلّدن خطواتها. بدا كلامها وكأنه خطاب مرايا: هي مرآة للجمهور، والجمهور مرآة لها.
في حديثها تتجلى صورة مجتمع يلهثُ خلف الموضة، يرى في الشاشة الصغيرة قدراً أكبر من الكتب والمكتبات. هي صورة الحداثة المعلبة، حيث تتحول الإجازة إلى عرض أزياء عابر للمدن، لا إلى رحلة لاكتشاف الذات أو العالم. وفي صوتها تتجسد سيكولوجيا الإعلام: كيف يصبح الجسد واللباس خطاباً بديلاً عن الفكر والثقافة.
وفي زاوية أخرى، جلس رجل فقير، وجهه ملبّد بالحزن، وعيناه غارقتان في قاع يأسٍ عميق. قال وهو ينظر إلى الأرض:
“في كل يوم من أيام إجازتي شعرت بالأسى. لم أغادر بيتي إلا لزيارة قبري أمي وأبي. كنت أنظر إليهما بحسد؛ فقد رحلا ونجيا من هذا الخراب العالمي، من الحروب المستعرة، ومن جنون بوتين في أوكرانيا”.
هنا تتجلى صورة مختلفة: الإجازة ليست فسحة، بل مواجهة مع الموت. في صمته صوت ملايين المهمّشين الذين لا يملكون سوى المقابر متنفساً، وسوى الذكرى عزاءً. إنّه تجسيد آخر: القبور، حيث تتحول الحجارة إلى لغة أكثر صدقاً من نشرات الأخبار.
ومن ثم التقى صحافياً شهيراً، عُرفَ عنه التواضع وحسن إدارة الندوات الثقافية. لكن حتى هذا الصحافي لم يجد في إجازته راحة:
“كلما ابتعدت عن مقالاتي اليومية شعرت أن القراء سيتيهون. كأنني مسؤول عن هدايتهم. التاريخ لن يغفر لي إذا تركتهم فريسة للطوابير الخامسة”.
لقد كان سجيناً لالتزامه. قطع إجازته ليعود إلى مقالاته. لم يستطع أن يبتعد عن القلم. بدا صوته مثل معمار مكتبة قديمة؛ كل رف فيها محشو بكتب تنتظر أن تُقرأ. إنّه نموذج آخر: المثقف الذي يربطه القراء بخيط خفي، فلا يستطيع أن يتحرر حتى حين يطلب جسده الراحة.
أما الأستاذ الجامعي، فقد اختار أن يقضي إجازته بعمل شاق: سائق تكسي، وبائع بطيخ، ومساعد في محل زهور. كانت كلماته مزيجاً من واقعية مريرة وشاعرية غير متوقعة:
“أحببت الزهور أكثر من طلابي، تعلّمت أسماءها وألوانها. وجدت في بيعها حياة لم أجدها في قاعات المحاضرات”.
هنا يتجلى التناقض: أستاذ يعلّم الأجيال في النهار، ويبيع البطيخ في المساء. كأننا أمام مشهد سوريالي من تاريخ التعليم في بلادنا: الجامعات شامخة بواجهاتها الحجرية، لكن الأساتذة يبيعون الزهور ليكملوا معيشتهم.
وكان للموظف الصغير قصة أخرى، لا تخلو من سخرية سوداء:
“تمنيت أن أبقى في عملي، فقد كانت إجازتي في البيت سلسلة من المشاكل مع زوجتي وأولادي. في المقهى تجنبني أصدقائي كأنني مصاب بالكوليرا. حتى حارس الحديقة العامة ظنني شحاذاً بملابس حسنة”.
صوته هنا صوت المدن المكتظة بالموظفين المرهقين، الذين لا يعرفون معنى الإجازة سوى أنها انقطاع عن الروتين ليبدأ روتين آخر من خلافات عائلية وإحباطات اجتماعية.
أما المفكر، فقد رفع صوته بنبرة أيديولوجية:
“الإجازة السنوية وسيلة من وسائل الإمبريالية لإلهاء الشعوب ومنعها من العمل لاستكمال استقلالها”.
كانت كلماته ثقيلة، لكنها تكشف جانباً من الواقع: كيف يرى البعض في كل تفاصيل الحياة مشهداً سياسياً، حتى في أبسطها. الإجازة تتحول في ذهنه إلى أداة استعمارية، والراحة إلى مؤامرة.
وأخيراً جاء صوت الأديب الذي يتحدث كأنه فوق الجميع:
“أنا أكثر موهبة من تولستوي، وفولكنر، ونجيب محفوظ… ألفت كتباً تكفي لبناء مبنى من طابقين، لكن الشهرة لا تزال بعيدة”.
كان صوته خليطاً من الغرور واليأس. إجازته كانت امتداداً لوهمه الكبير: أن يرى نفسه أعظم من كبار الأدباء، لكنه في النهاية أسير شهرة زائفة تعيش على نشاط زوجته لا على كتاباته.
بعد أن جمع كل هذه الأصوات، جلس الصحافي الناشئ يتأمل أوراقه. قال لنفسه:
“ضاعت إجازتي، وخسرت وقتاً وورقاً، ولم أربح سوى الصداع”.
لكن الحقيقة أنه لم يخسر شيئاً. فقد التقط من أفواه الناس صوراً متناقضة للحياة: وزير نادم، مذيعة مترفة، فقير يائس، صحافي مثقل بالالتزام، أستاذ بين البطيخ والزهور، موظف مهزوم، مفكر مؤدلج، أديب مغرور… جميعهم كانوا لَبنات في معمار إنساني واحد.
إنه معمار المدينة العربية المعاصرة: مبانٍ شاهقة إلى جانب بيوت متهالكة، شاشات ملونة بجوار مقابر صامتة، مقاهٍ مزدحمة وحدائق متسخة، وزهور تباع بأيدٍ أنهكها الطبشور. إجازاتهم لم تكن مجرد عطلات، بل مرايا تكشف عمق المأساة الاجتماعية والنفسية، وتفضح هشاشة العلاقة بين الإنسان وزمنه.
بهذا الشكل يتحول السؤال البسيط عن “الإجازة السنوية” إلى رحلة استكشافية عميقة، تفتح عيوننا على أنّ الإجازة ليست وقتاً ضائعاً، ولا مجرد استراحة، بل هي مرآة حقيقية تكشف موقع كل واحد منا في هذا المعمار الكبير الذي اسمه: الحياة.
كاتب وصحافي سوري




