جبران طرزي ذاكرة متجدّدة وهندسة صامتة
خضيّر الزيدي

بعد إصدار كتابي (السائر في رؤياه) عن دار الأديب في عمّان سنة 2018، والمتضمن إجراء حوارات متعدّدة مع الفنان العراقي ضياء العزاوي، انجذبتُ للاهتمام باسمٍ مميز له أهمية في محافل الإبداع العربي، وهو الفنان اللبناني جبران طرزي. وبعد رؤية لوحاته ذات الاتجاه التجريدي الهندسي واطلاعي على أعمال فنية بمضامين تراثية عريقة كالتي كوّنها في فترة من حياته، وأقصد هنا (الصناديق الخشبية والمرايا التراثية)، فقد وجدتُ من الضروري إعادة قراءة تلك اللوحات باحثاً ومنقّباً عن تاريخ وقدرات الفنان، وكيف بدت مرجعيته الجمالية أكثر حضوراً في أسلوبية فنه.
وفعلاً، استهوتني لوحاته لما تمتلكه من صياغة فنية دقيقة تعتمد على الحسابات الرياضية والأشكال الهندسية، وبعد أن تسنّى لي الاطلاع على تاريخه الفني والأدبي، تكوّنت لديّ فكرة الكتابة والتذكير باسمه لما يتميز به من إبداع وارتباط بتراثه العربي وأصول مرجعياته الشرقية، وما عمل عليه كمجدد في الفن التجريدي الهندسي. نعم، تكوّنت عندي رؤية خاصة، فانْبثقت عن إصدار كتابين عن تجربته الفنية؛ صدر الكتاب الأول عن دار الأديب في عمّان سنة 2024 تحت عنوان (جبران طرزي سيرة إبداع فني مشرقي)، أما الكتاب الآخر الموسوم بـ (جبران طرزي رائد الأصالة والتجديد) فقد صدر في العام 2025 في بغداد.

وهما كتابان وجدتُ من الضروري أن أبيّن فيهما الخطاب الجمالي والفكري لهذا الفنان، مع التأكيد على سيرته ومراحل اشتغالاته المتنوّعة، سواء في الحرف التقليدية لفن الأرابسك والديوان الدمشقي، أو مع أعماله الخاصة بمنجزه المتفرد، حيث أنتج عشرات اللوحات ذات المغزى التجريدي الهندسي مع صناديق ومرايا شرقية، زاوج فيها بين مفهومي الحداثة والتراث. فما الذي احتواه هذان الكتابان؟ ولماذا جبران طرزي دون غيره من الفنانين العرب بعد صدور كتاب يتضمن حوارات متنوعة مع الفنان العراقي ضياء العزاوي؟
قراءات في التجريد
يعنى كتاب (جبران طرزي سيرة إبداع فني مشرقي) بدراسة أعمال جبران طرزي الفنية، معتمدين فيه على مداخل متعددة تضمنت القراءة والتحليل الوصفي، والعودة لاستخدام أكثر من قراءة تحليلية. والهدف من كل ذلك تبيان الخصائص البنائية، والوقوف على طرائق تشكّل اللوحة، والكشف عن جماليات المدرسة التجريدية ذات الطابع الهندسي المعتمد في مجموعة أعماله الفنية التي نفّذها في سنوات مختلفة.

وكان من الأهمية بمكان أن نمهّد في الكتاب أعلاه إلى عدّة مباحث؛ أذكر منها المبحث الأول عن جماليات الشكل الهندسي، أما المبحث الثاني فتناول الهوية والانتماء إلى المشرق، فيما ذهبنا في المبحث الثالث إلى قيمة التجريد الشرقي، كون الغالب من لوحات الفنان جبران طرزي تميّزت ببناء هندسي اعتمده في صياغة تجمع بين الأصالة والموروث من جهة، وفنون الحداثة، ومن ضمنها لوحات الفن التجريدي الهندسي. وبالتأكيد حافظ على آليات الاشتغال البنائي والجمالي ليحدد طاقته الفنية عبر تحولات الشكل وتداخل الأجزاء والعناصر المكوّنة للعمل، بما يمنح المتلقي مظاهر كسب المعرفة والبحث عن التجانس الشكلي.
فيما ذهبتُ في المبحث الرابع إلى كشف جماليات التكوين الفني، وأفردتُ الجزء الأخير من المبحث الخامس لكتاب الفنان (تنويعات هندسية) الصادر باللغتين العربية والفرنسية عن (دار الفنون الجميلة، لبنان، 2007)، يشرح فيه رؤيته الفلسفية والجمالية مع نشر صور من اشتغال لوحاته التجريدية. ومضمون الكتاب عبر الصور المتواجدة في متنه إنما هو في الأساس تنظير وتطبيق عملي، الهدف منه الوقوف على ما يتوصل إليه المؤلف والفنان من تحولات شكلية تتكامل في أبعاد متساوية ومتوازية كإشارة لمثالية الفن الهندسي.

إذن، علينا القول إن طريقة شرح الاثنتي عشرة سلسلة من دروس الفنان لم تكن لتختزل تجربته الفنية الممتدة لسنوات، بل هي كشف لرؤى فكرية تبنّاها كاتجاه معرفي، سواء في استثمار التجريد أو تأمل دلالاته الشكلية. ليبقى الحديث عن روح العمل من أسرار الفنان، ولكن ما يتوافق مع الاهتمام بالدراسات الهندسية سيكون جزءاً منها، متروكاً ومبيّناً في متن الكتاب.
وأيضاً علينا القول إن كتاب (تنويعات هندسية) بيّن للقارئ أن تجربة طرزي تمتاز بالدقة والسرعة معاً، استناداً إلى خبرته الطويلة في العمل الفني، كما سيضعنا أمام موقفه الفكري من خلال منجزاته الجمالية. طبعاً، كان من الأفضل، ونحن نمارس التحليل الفني، أن نستند إلى مراجع نراها مهمة؛ فقد اعتمدنا على كتاب (علم الإشارة) لمؤلفه بيير جيرو، وهو من ترجمة منذر عياش، وعدنا إلى مصدر مهم وهو كتاب (العملية الإبداعية في فن التصوير) للدكتور شاكر عبد الحميد، وكان من دواعي سرورنا أن نكتسب المعرفة والتحليل من خلال العودة إلى كتاب (نظرية التشكيل) لبول كلي، وهو من ترجمة عادل السيوي.
بنية العمل الفني
وجدتُ من الضروري أن نبتدئ في الفصل الثاني من كتاب (جبران طرزي سيرة إبداع فني مشرقي) الصادر في عمّان سنة 2024 بوضع آلية تختص بالتطبيق والتحليل لكل عمل منفرد، وأخذتُ عينات (لوحات معينة) لنقوم بدراستها. فقد تبنّى فصل التطبيقات الاهتمام بتحليل العمل، سواء ضمن المنهج السيميائي أو المنهج الوصفي، انطلاقاً واعتماداً على رؤية الفنان التي وضّحها في كتابه (تنويعات هندسية)، إذ قدّم للقارئ تصوراً وافياً بالشرح الدقيق لكيفية عمله على تخطيط كل لوحة من تلك السلسلة التي بيّنها لمحبي الفن التجريدي الهندسي.
وسعيتُ هنا أن أتناول بعضاً من رسوماته التي تحثّنا على طرح الكثير من التساؤلات عن كيفية السمة الإيمائية، وما تفرضه رؤية الاشتغال الفني من خاصية بنائية، علماً أن الخبرة لدى الفنان عززت من تقديمه لمشروع متكامل في الفن التجريدي، تأسّس على مضامين وأشكال مختلفة، لتصبح كل لوحة متعلقة بقيمتها الجمالية والفنية.
حكاية فنان مشرقي
وجدتُ من الضروري أن نعود إلى تاريخ الفنان عبر أسرته لمعرفة أدق التفاصيل، فوضعتُ في الحسبان العودة إلى السيد (مارك جبران طرزي)، نجل الفنان، ليضع في الكتاب تصوراته وينشر العديد من المعلومات الخاصة بتاريخ الفنان وأهميته بين أسرته العريقة التي عملت منذ سنوات طويلة في الحرف التقليدية الشرقية.
جاءت مشاركة السيد مارك جبران موسّعة وأكثر أهمية من خلال نشر المعرفة الخاصة، لما يمثّله من دور في تلك المعرفة التي تتعلق بنشأة والده، وكيف تعامل مع الفن، وما الصعوبات التي واجهته. وكان لزاماً الحديث عن النشأة الاجتماعية والرؤية الفنية لهذا الفنان، وكيف كان انتسابه للشرق والمحيط العربي.
نعم، بقي كتاب (جبران طرزي سيرة إبداع فني مشرقي) مفتتحاً لمشاريع أخرى، لاعتقادي أن الكتاب لم يُلمّ بكل التفاصيل الفنية والأسلوبية لهذا الاسم العريق، فتوجّهت أنظارنا لإصدار الجزء الثاني من الكتاب الآخر (جبران طرزي رائد الأصالة والتجديد)، والذي سنعرّج عليه في قراءة ثانية.
كاتب وصحافي عراقي

من أعمال الفنان جبران طرزي



