التشكيلية العراقية روش بنيامين وسحر التجريد الغنائي

رحيم يوسف

على الرغم من حضورها في الوسط الفني التشكيلي العراقي عبر مشاركات كثيرة في المعارض المشتركة، وإقامتها لأكثر من معرض شخصي، إلا أنه لا يمكن ملاحظتها بشكل واضح، وأعني ذلك الحضور الصاخب الذي يشكله البعض من الفنانات والفنانين في المعارض والملتقيات العامة، لأنها تمر مرور النسيم بسبب هدوئها الغريب وشفافيتها الكبيرة، لتشكل بذلك نوعاً آخر من الحضور. ومرد ذلك إلى سلوكها الطبيعي الذي يأتي منسجماً مع شخصيتها وإبداعها البعيد عن الادعاء الفارغ.
أقول هذا عن قناعة لأنني عرفتها عن قرب طوال سنوات قبل أن تهاجر باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات، والحديث هنا عن الفنانة التشكيلية روش بنيامين درويش التي تمكنت من فرض وجودها في الوسط التشكيلي العراقي، مع أنها لم تدرس الفن أكاديمياً، بل جاءت إليه من باب الهواية ليس إلا. تقول روش بهذا الصدد:
ـ عندما كنت في الرابعة من عمري، كنت أستمتع بتشكيل مجسّمات صغيرة من الطين الذي كنت أجمعه من حديقة منزلنا الخلفية، كما كنت مبهورة ومستوحاة من الرسومات البسيطة في المدرسة. وعبر قراءة الكتب، انجذبت إلى الألوان الزيتية على القماش، ومنذ ذلك الحين قررت أن أصبح فنانة لأعبر عن ذاتي وأحققها، وعن مشاعري وأفكاري وشخصيتي وحكمتي من خلال جمال اللون.
وقد سعت إلى العثور على أسلوبها الفني الخاص وترسيخه في وقت مبكر. فبدأت تجربتها الفنية من خلال مسارات الواقعية والسريالية والتجريدية، غير أنها استقرت على الفن التجريدي، كمسار أسلوبي تتجسد من خلاله رؤاها الفنية والفكرية، وعملت عليه لسنوات ليست بالقصيرة وما زالت مستمرة، وكان من أهم أسباب استمرارها على المسار التجريدي كأسلوب فني، أنه ينبع من رؤيتها لذلك، إذ تقول بهذا الصدد:
ـ أحب مساحات اللون، وأستمتع بابتكار وتجريب الملامس اللونية المختلفة والتوليفات المتنوعة للألوان، لأنني تأثرت ببعض أعمال كلود مونيه وغوستاف كوربيه.
وانطلاقاً من هذا التأثير تمكنت روش من الإبداع في المسار الذي تجيد العمل عليه بفاعلية كبيرة، فرضت من خلاله وجودها على الساحة الفنية، ولا يمكنني نسيان عملٍ تجريدي كانت قد عرضته في أحد المعارض الجماعية، وهو مشغول باللون الأبيض كلياً، وهو اللون الذي يصعب التعامل معه، وحصلت من خلاله على ثناء الأستاذ الراحل إسماعيل فتاح الترك، الذي أبدى إعجابه بالعمل حينها.

الفنانة التشكيلية روش بنيامين
وكانت الفنانة روش بنيامين درويش قد حصلت على درجة البكالوريوس في الهندسة الكيميائية من جامعة بغداد، وهي إذن فنانة عصامية علّمت نفسها بنفسها من خلال المتابعة والاطلاع وممارسة التجريب المستمر، وصولاً لما هي عليه. ونالت عضوية نقابة الفنانين العراقيين، وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين كذلك، وأقامت ثمانية معارض شخصية في كل من العراق والمملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأمريكية. كما شاركت في أكثر من مئة وأربعين معرضاً فنياً تشكيلياً مشتركاً في العراق ولبنان وقطر وتونس ومدينة ديترويت الأمريكية، كما نالت العديد من الشهادات التقديرية من العديد من الدوائر والمنظمات والهيئات، ومنها دائرة الفنون التشكيلية العراقية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وجمعية دعم الأسرة القطرية، وجمعية آشور بانيبال العراقية، ووزارة النفط العراقية، كما تمت استضافتها في العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية المتخصصة بالفنون التشكيلية، ونُشر العديد من المقالات والدراسات النقدية عن تجربتها الفنية في العديد من المجلات والصحف في داخل العراق وخارجه، كما تم اقتناء أعمالها في دائرة الفنون التشكيلية العراقية، وعدد من المتاحف والوزارات والمؤسسات والشركات داخل العراق.
كما اقتنت أعمالها جهات ومجموعات خاصة وعامة في كل من ألمانيا والأردن وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى دول عديدة أخرى، ولعل ما تقدم يبين قدراتها الفنية وتطور تجربتها الفنية التي حازت التميز والقبول في العديد من المحافل العراقية والعربية والدولية.
بحسب الفنان الكندي ديفيد ميلن فإن الرسام:
ـ لا يحاول إعادة إنتاج المشهد أمامه… بل يُبسّطه ويُزيل بعض التفاصيل حتى يعرف تماماً ما أثار مشاعره، ثم يُجسّد ذلك بالألوان والخطوط بأبسط وأقوى صورة ممكنة، وبذلك يُترجم انطباعه إلى شعور جمالي.
والقول هنا ينطبق كلياً مع تجربة الفنانة التي تعمّد إلى إنتاج مشاهد بصرية لا تنتمي إلّا إليها، فهي تمارس الاختزال إلى أقصى حدوده الممكنة لتحول الحسي إلى صوري عبر عملية بالغة التعقيد، تنطوي على مغامرة كبيرة تخوضها من أجل عدم الوقوع في فخ الاستسهال والتسطيح، وذلك من خلال المعالجات اللونية التي تخلو كلياً من عملية التشخيص الذي قد يهيئه لنا إحساسنا أثناء عملية التأمل، غير أنه لم يكن قصدياً بالنسبة لها بأي حال من الأحوال، وهي عملية تنبئ عن فهم عميق لفلسفة وخصائص الألوان، تكونت لديها من خلال الاطلاع الواسع والتجريب في ذات الوقت، وهذا ينبع من جديتها في العمل على التجربة.

عند التأمل جيداً باتجاه التكوينات العامة للسطوح والمعالجات اللونية كذلك، يمكننا تجنيس التجربة باتجاه التجريدية الغنائية (Lyrical Abstraction)، وهي التي تستند إلى الحس اللوني أكثر من استنادها إلى البنية الهندسية أو الشكلية كما هو في التجريدية عموماً. فالسطوح التصويرية لا تقدم موضوعات محددة، بل تأتي تبعاً لحالات شعورية تتشابه في الظاهر العام، غير أنها تختلف من سطح لآخر تبعاً لمشاعر الفنانة النفسية لحظة الخلق، لتأتي المناخات البصرية وكأنها مناظر مستلة من الطبيعة، لكنها ليست كذلك عند التدقيق فيها جيداً، لتبدو وكأنها نزيف ذاكراتي، ليبدو وكأنه انعكاس لذاكرة تتعلق بعلاقة الفنانة مع الطبيعة عبر استحضار حالات هي أقرب إلى مناخات تميل باتجاه انعكاسات مائية عبر الضباب الذي يجتاح سماء السطوح.
في السطوح المبثوثة للتلقي تتمكن الفنانة من إثبات قدرتها على تحقيق توازن واضح بين العفوية اللونية والسيطرة، بمعنى أن العفوية الظاهرة على الألوان ليست عفوية بحتة، بل تخفي خلفها قدرات تنظيمية واضحة عبر إحساسها باللون، كما أشرنا سابقاً، وبذلك تحافظ على السطوح من الانزلاق نحو العشوائية اللونية، إذا جاز لنا التعبير، لتمنح من خلال ذلك للمتلقي قدرة على المشاركة في إعادة ترتيب المشهد العام من خلال وعيه وقدرته على التخيل، عبر تأمله الهادئ للفضاءات المفتوحة التي تخلقها في التنويع اللوني، ولذا فإن المتعة الجمالية المتحققة ستكون مضاعفة بكل تأكيد، وستؤدي إلى المزيد من التفاعل بين المتلقي والعمل الفني، وهنا تبرز قوة التجربة وتميزها عن مثيلاتها من التجارب المحيطة.

ربما كان ابتعادها عن الروح الأكاديمية عاملاً مساعداً في نجاح التجربة التي تقوم على التوزيع الذي يقترب من التوزيع العشوائي للخطوط والألوان، وذلك لخلق فضاءات بصرية متعددة، تبيح للمتلقي إعادة عملية تكوين المشاهد بالتوافق مع حسه الجمالي، وكذلك إحساسه النفسي لحظة التلقي، والتي ستتوازى أو قد تتوافق مع إحساس الفنانة لحظة الخلق، ذلك أنها وزعت العناصر بطريقة أتاحت بها الحرية لعين المتلقي للقيام بالتجوال الحر في السطوح، دون أن تفرض عليها اقتراحات افتراضية في عملية التلقي، فتوزعت الكتل اللونية والخطوط الطولية التي بُثت بتعمد إلى جعل العين تقوم بذلك عبر توازن حركي محسوب بدقة، فلا عشوائية في تلك السطوح بشكل مطلق. كما يمكن ملاحظة قصدية الفنانة بجعل السطح في لحظة تشكل مستمرة، من خلال الخطوط والانسكابات اللونية التي تشابه انعكاسات ضوئية تساهم في بناء الإيقاع الزمني، كما أنها خلقت عمقاً بصرياً واضحاً دون الحاجة للبعد الأكاديمي «المنظور»، وقد تكفلت بذلك الطبقات اللونية المتراكبة بشفافية واضحة، مما خلق درجات مختلفة من الضوء والعتمة، كما أن الفنانة خلقت فضاءات متعددة لإعطاء السطوح طابعاً من الغموض أحياناً، وبما يخلق فضاءً مفتوحاً يسير بنا باتجاه الذاكرة التي تلجأ إليها مرة بعد أخرى دون أن تصرح بذلك.
في سطوحها التصويرية تعمد الفنانة إلى جعل اللون يؤدي دوره كوسيط شعوري، مبتعداً عن حالة الوصف الافتراضية التي يقوم بها، ليبدو وكأنه تحول إلى القيام باقتراح حالات وجدانية بدلاً من محاكاة الأشياء، وبذلك تخلصت من عملية الانقياد التي يفرضها اللون على الفنان في بعض الأحيان، كما أنها تجعل اللون يمارس هيمنته من خلال طيف بارد يتشكل من الأزرق والتركوازي، يمنح السطوح طابعاً من الهدوء، وهو ما يقترح المزيد من التأمل لغرض الشعور بالسكينة، وبما يتوافق مع هدوئها الشخصي الذي أشرنا إليه مسبقاً، وبذلك تتمكن من سحب المتلقي للمنطقة التي تبغيها عبر ممارسة سطوتها عليه، لكن هذا الهدوء لا يستمر طويلاً، بل تعمد إلى كسره عبر ضربات لونية حارة بألوان الأحمر والأصفر والوردي، والتي لا تصطدم مع الهدوء، وإنما كنبضات تؤدي إلى كسر الرتابة التي قد تبدو عليها السطوح، لخلق إيقاع خافت يؤدي إلى فرض الانتباه على المتلقي، كما تعتمد على التدرجات الشفافة والانصهارات اللونية، حيث تنتقل الألوان من كثافتها إلى خفتها عبر طبقات رقيقة ومتراكبة، مما يمنح اللوحة إحساساً بالهواء والضوء أكثر من إحساسها بالمادة.
ناقد عراقي






