خلف الجراد.. من قسوة الريف إلى رحابة الفكر والدبلوماسية
عبد الكريم البليخ

هناك تجارب إنسانية لا تُقرأ من منجزها الأخير وحده، بل من تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت وجدان صاحبها، ومن الوجوه المتعبة التي سبقته إلى العناء كي تفتح له باباً نحو الضوء.
ومن هذا المعنى يمكن الاقتراب من سيرة الدكتور خلف محمد الجراد، بوصفها سيرة إنسان حمل معه ذاكرة الريف، وقسوة الفقر، ونبل الكفاح، ثم حوّلها لاحقاً إلى وعي ومعرفة وموقف.
في بيئة ريفية سورية بسيطة من محافظة الحسكة، عام 1950، بدأت ملامح هذه الشخصية تتكوّن بهدوء داخل بيت لم يكن يملك من أسباب الراحة والترف إلا القليل، لكنه كان غنياً بما هو أبقى من المال: الصبر، والكرامة، والإحساس العميق بقيمة العلم. هناك، في ذلك العالم الريفي القاسي والحميم معاً، لم يكن التعليم أمراً عادياً، ولا طريقاً سهلاً مفروشاً بالطمأنينة، بل كان أشبه برهان عائلي كبير على المستقبل، ونافذة وحيدة يمكن أن يطلّ منها الابن على حياة أوسع من حدود التعب اليومي.
الفقر يصنع إرادة
كان والده رجلاً بسيطاً، بالكاد يعرف القراءة والكتابة، غير أن بصيرته كانت أعمق من حدود معرفته بالحروف. أدرك بفطرة الأبوة أن العلم قد يكون الجسر الوحيد الذي يعبر عليه ابنه من خشونة العيش إلى أفق أرحب، ومن ضيق الحاجة إلى كرامة الاختيار. كان يقطع المسافة من قرية عجاجة الحجيّة إلى مدينة الحسكة على دراجته الهوائية، ذاهباً إلى العمل في برد الصباح وتعب الطريق، ثم يعود مع آخر النهار محمّلاً بالإرهاق، لكنه مشدود إلى أمل خفيّ بأن يكون تعب الجسد ثمناً معقولاً لمستقبل لا يشبه الماضي.
تلك الصورة المبكرة للأب، وهو يمضي في العتمة إلى رزقه قبل أن يستيقظ النهار كاملاً، ليست تفصيلاً عابراً في سيرة الدكتور الجراد، بل هي منبع داخلي لفهم علاقته بالمعرفة والحياة. فمن رأى التعب قريباً إلى هذا الحد، لا يتعامل مع العلم بوصفه ترفاً ذهنياً أو وجاهة اجتماعية، بل يراه خلاصاً أخلاقياً، وردّاً جميلاً إلى الآباء، ومحاولة عميقة لكسر الدائرة التي ظلّ الفقر يديرها حول الأجيال.

أبعاد الاستهداف الأمريكي
لذلك بدت المعرفة في وعيه المبكر نوعاً من الوفاء لا من الطموح الفردي وحده؛ وفاءً ليدٍ خشنة حملت العناء بصمت، ولبيتٍ فقير كان يحرس أبناءه بالإيمان والصبر، ولريفٍ علّمه أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يستطيع أن يصنع من حرمانه. ومن تلك البدايات تشكّل الجذر النفسي والاجتماعي لتجربة الدكتور خلف محمد الجراد: رجل خرج من قسوة البدايات لا لينساها، بل ليمنحها معنى، وليحوّل الفقر إلى إرادة، والتعب إلى معرفة، والذاكرة العائلية إلى طاقة أخلاقية تضيء مسيرته اللاحقة.
تعلّم الطفل خلف الحروف الأولى في بيت متواضع، من أبٍ لم يكن معلماً بالمعنى المدرسي، لكنه كان معلماً بالمعنى الإنساني العميق. واصل بنفسه قراءة القرآن وبعض الكتب التراثية القليلة الموجودة في المنزل، حتى إذا جاء المعلم إلى القرية واختبره، أدخله مباشرة في الصف الثاني الابتدائي. كان الصبي يقرأ للجيران شيئاً من الحكايات والسير الشعبية؛ من تغريبة بني هلال، وسيرة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، يجلس على وسائد كي يظهر للسامعين، كأن القرية كانت ترفع الطفل القارئ قليلاً ليطلّ على مصيره المقبل. هناك، في تلك المجالس الريفية، بدأت علاقة مبكرة بين الصوت والمعرفة، بين الحكاية والهوية، بين الذاكرة الشعبية والوعي الذي سيكبر لاحقاً في فضاءات الفلسفة والتاريخ والسياسة.
في الحسكة درس مراحله التعليمية، وحصل على الثانوية العامة، الفرع الأدبي، في دورة عام 1969 ـ 1970. غير أن المدرسة لم تكن وحدها مكان تكوينه؛ فالمكتبة كانت مدرسته الأخرى. في المرحلة الثانوية ارتاد مكتبة المركز الثقافي في الحسكة، وكان لجاره الأستاذ محمد صباح الحسين، أمين المكتبة، دور في فتح هذا الباب أمامه. هناك، بين الرفوف، اكتشف عالماً لا يشبه ضيق اليومي ولا تعب الريف ولا محدودية المكان. وجد الأدب، والتاريخ، والفلسفة، والعلوم الإنسانية، فتفجر لديه ما وصفه لاحقاً بهوس القراءة والمعرفة. لم تكن القراءة عنده مجرد هواية، بل كانت انتقالاً داخلياً من عالم إلى عالم؛ ومنذ ذلك الوقت بدأ يتشكل فيه ذلك القارئ القلق الذي لا يكتفي بالجواب، بل يرى في كل جواب بداية لسؤال جديد.
لينينغراد تصنع المفكر
من العلامات اللافتة في سيرته المبكرة أنه كان مع زميله الفنان عصام المانع يعدّ صحيفة المدرسة الجدارية، كما كُلّف بالإذاعة المدرسية طوال المرحلة الثانوية. كانت الصحيفة الجدارية تمريناً أولياً على الكتابة العامة، والإذاعة المدرسية تدريباً مبكراً على مخاطبة الآخرين. أما اختياره رواية «الأبله» لدوستويفسكي من بين كتب عُرضت على الطلبة المتفوقين، فكان إشارة دالة إلى ذائقته المبكرة؛ فقد انجذب إلى الأدب الروسي قبل أن تقوده الأقدار لاحقاً إلى روسيا نفسها. وربما لم يكن اختياره دوستويفسكي مجرد مصادفة، بل كان انسجاماً مع ميل داخلي إلى الأسئلة الكبرى: الإنسان، الشر، البراءة، السلطة، الألم، والبحث عن معنى في عالم مرتبك.
بعد الثانوية، اتجه إلى دمشق، المدينة التي كانت في ذلك الوقت مركزاً للعلم والسياسة والثقافة، فدرس في كلية الآداب بجامعة دمشق، وحصل عام 1975 على إجازة في الدراسات الفلسفية والاجتماعية. كانت دمشق بالنسبة إلى ابن الجزيرة انتقالاً من فضاء الأطراف إلى قلب ثقافي واسع؛ مدينة تتجاور فيها العمارة القديمة مع الحداثة، وتختلط في شوارعها أصوات الطلاب والكتّاب والسياسيين والباعة والمثقفين. في الجامعة، وجد الجراد نفسه أمام الفلسفة لا كمادة دراسية، بل كطريقة في النظر إلى العالم، وكأداة لفهم التاريخ والمجتمع والإنسان.

الإسلام والمسيحية
في العام نفسه، أُوفد إلى الاتحاد السوفييتي لمتابعة دراساته العليا في الفلسفة، فأقام في لينينغراد بين عامي 1975 و1980. هناك حصل على الماجستير في الفلسفة عام 1977، ثم الدكتوراه في الفلسفة عام 1980 من جامعة لينينغراد الحكومية. لم تكن التجربة الروسية سهلة؛ فقد وصل إلى مدينة باردة تصل حرارتها إلى ما دون الثلاثين درجة تحت الصفر، قادماً من مناخ الجزيرة السورية الحار. ذلك الانتقال العنيف بين حرارة المكان الأول وصقيع المكان الثاني لم يكن انتقالاً مناخياً فقط، بل كان امتحاناً نفسياً وثقافياً ومعرفياً. كان عليه أن يتعلم الروسية، وأن يفهم عادات الناس، وأن يدخل عالماً حضارياً وفكرياً جديداً. لكنه لم يذهب إلى روسيا ليأخذ شهادة فحسب، بل عاد منها بلغة ثانية، وبذاكرة ثقافية واسعة، وبقدرة على الترجمة عن الروسية، وبصلة خاصة مع الأدب والفكر الروسيين، من دوستويفسكي إلى مكسيم غوركي، الذي ظل يستشهد بأقواله في التأمل بالإنسان والظلمة والنور.
بعد عودته إلى سورية، بدأ مساراً مهنياً متنوعاً يجمع التعليم والبحث والإدارة والإعلام والدبلوماسية. عمل من عام 1982 حتى عام 1997 مدرساً في معهد إعداد المدرسين بالحسكة، ومدرباً تربوياً في مديرية التربية بالحسكة. هذه المرحلة تكشف جانباً مهماً من شخصيته؛ فالفيلسوف لم ينعزل في برجه النظري، بل عاد إلى التعليم، إلى بناء الإنسان من أساسه، إلى الصفوف والمعلمين والمتدربين. ومن يعرف قيمة المعلم الأول في حياته، علي سليمان عمران، يستطيع أن يفهم لماذا كان التعليم عنده امتداداً للوفاء، لا مجرد وظيفة.
ثم انتقل بين عامي 1997 و2000 إلى مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية في جامعة دمشق باحثاً متفرغاً. هنا اتسعت أدواته من الفلسفة إلى السياسة والاستراتيجية، ومن السؤال النظري إلى تحليل الواقع. وبعد ذلك تولى من عام 2000 حتى عام 2006 منصب المدير العام ورئيس تحرير صحيفة «تشرين»، ثم شغل بين عامي 2006 و2009 منصب نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع. وفي عام 2009 عُيّن سفيراً لسورية في جمهورية الصين الشعبية حتى نهاية عام 2011، قبل أن يُحال إلى التقاعد في مطلع عام 2012.
صحافة برؤية ثقافية
في تجربته الإعلامية، لم يكن الجراد مجرد إداري في مؤسسة صحفية، بل حاول أن يجعل من الصحافة مساحة للثقافة والفكر والمعرفة. في «تشرين» فتح الآفاق أمام الأقلام الأدبية والفكرية السورية والعربية، وعمل على توسيع المحتوى الثقافي والاقتصادي والسياحي والبيئي، وزيادة حضور الصحيفة بوصفها منبراً لا يكتفي بالخبر، بل يسعى إلى بناء قارئ. عُرف بين زملائه بحسن الإدارة، وبروح الأب والأخ الأكبر، وبقدرته على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وبوقوفه إلى جانب الصحفيين. تلك الصفات ليست إدارية فقط، بل أخلاقية أيضاً؛ فالإدارة في جوهرها امتحان للسلطة الصغيرة: إما أن تتحول إلى قسوة وغرور، أو إلى رعاية ومسؤولية.
أما في الكتابة والتأليف والترجمة، فقد ترك الدكتور خلف الجراد حصيلة واسعة بلغت تسعة عشر كتاباً بين مؤلف ومترجم، فضلاً عن مشاركات بحثية ودراسات ومقالات كثيرة. من مؤلفاته: «اليزيدية واليزيديون»، «معضلات التجزئة والتأخر وآفاق التكامل والتطور»، «الأبعاد الفكرية والعلمية ـ التقنية للصراع العربي ـ الصهيوني»، «أسئلة اللحظة الراهنة»، «هل فات الأوان؟»، «أبعاد الاستهداف الأميركي»، «العرب في الاستراتيجية الأميركية»، «معجم الفلاسفة المختصر»، «الخرافة ووأد العقلانية»، «مقاربات في الفكر السياسي»، «عملاء النفوذ وتفكيك الاتحاد السوفييتي»، «مدارات: في الثقافة والتاريخ والاجتماع والسياسة»، و«دول وكيانات عربية في بلاد الشام قبل الإسلام». ومن ترجماته عن الروسية: «الفن والإيديولوجيا»، «الفن والدين»، «ثقافة السريان في القرون الوسطى»، «فيلسوف الفريكة أمين الريحاني»، «الفلسفة اليابانية المعاصرة»، و«الإسلام والمسيحية» الذي صدر ضمن سلسلة «عالم المعرفة» وأعيدت طباعته أكثر من مرة.

العرب في الاستراتيجية الأمريكية
يحتل كتابه «دول وكيانات عربية في بلاد الشام قبل الإسلام» مكانة خاصة في صورته الفكرية، لأنه يلامس سؤال الهوية والجغرافيا والتاريخ. فالكتاب، كما تقدمه المادة، ينهض على رؤية تؤكد عروبة بلاد الشام وعمق حضور العرب فيها قبل الفتح الإسلامي، ويناقش التصورات التي تحاول فصل الشام والعراق عن جزيرة العرب بالمعنى التاريخي والحضاري الواسع. هنا يبدو الجراد باحثاً في الذاكرة لا في الماضي فقط؛ فالتاريخ عنده ليس قبوراً ووثائق، بل قوة نفسية تعيد إلى الإنسان ثقته بنفسه وبانتمائه. إنه يرى أن التشويه التاريخي لا يصيب الكتب وحدها، بل يصيب وعي الأجيال، ويصنع شعوراً بالانقسام والاغتراب. لذلك يصبح البحث التاريخي فعلاً ثقافياً وتربوياً وسياسياً في آن.
حضور بلا ضجيج
وإلى جانب المؤلفات والترجمات، شارك الدكتور الجراد في أعمال فكرية جماعية ومؤتمرات وندوات، منها بحث في مؤتمر العلاقات السورية اللبنانية، وبحث في كتاب «الخيار النووي في الشرق الأوسط»، ومشاركة في العمل الفكري الجماعي «الإنسان أخو الإنسان» حول كتاب الشيخ محمد حبش «المذهب الإنساني في الإسلام». كما نشر عشرات الدراسات والأبحاث في المجلات والدوريات العربية، ومئات المقالات في الصحف السورية، وشارك في ندوات وملتقيات علمية وفكرية وسياسية، ولجان تحكيم علمية وثقافية. وكان عضواً في الجمعية العربية للعلوم السياسية، واتحاد الكتاب العرب، واتحاد الصحفيين العرب، وعضواً مؤسساً في الرابطة السورية لخريجي المؤسسات التعليمية السوفييتية والروسية، وعضواً في هيئات تحرير «الأسبوع الأدبي»، و«الفكر السياسي»، و«المعرفة”.
وقد تُوّج هذا المسار بحصوله على جائزة الدولة التقديرية لعام 2023 في مجال الدراسات والنقد والترجمة، وهي جائزة تبدو في سياق سيرته اعترافاً متأخراً لكنه مستحق، لا بمؤلفاته وحدها، بل بمسار كامل من العمل الهادئ والمتراكم. فهناك مثقفون يلمعون لحظة ثم ينطفئون، وهناك من يراكم حضوره بصبر، حتى يصبح جزءاً من ذاكرة الوسط الثقافي. والدكتور خلف الجراد ينتمي إلى الصنف الثاني: حضور لا يقوم على الضجيج، بل على الاجتهاد والاستقامة والرصانة.

ثقافة السريان في القرون الوسطى
غير أن الصورة لا تكتمل من دون البعد الإنساني. ففي شهادات من عرفوه، يتكرر الحديث عن تواضعه، ونظافة يده وقلبه ولسانه، وحكمته، ودماثة خلقه، ونبذه للطائفية، وإيمانه بأن المواطنة ينبغي أن تكون للجميع بلا تمييز. يصفه البعض بأنه شخصية سورية جامعة، لا تنحاز إلى ضيق الانتماءات، بل إلى سوريا بوصفها فضاءً إنسانياً وثقافياً وحضارياً متنوعاً. وفي ردوده الشخصية يظهر إنسان لا يدّعي اكتمال المعرفة، بل يقول إنه ما زال يتعلم، وأن كل شخص يلتقيه أو يقرأ له يضيف شيئاً إلى معارفه، حتى لو اختلف معه. هذه العبارة وحدها تكشف جوهر الفيلسوف: ليس من يملك الحكمة، بل من يظل باحثاً عنها.
وفي رؤيته للإعلام، يبدو حريصاً على إيصال الرسالة بأبسط الطرق وأقرب المصطلحات، من دون تعقيد مفتعل أو استعراض معرفي. فهو يدرك أن المعرفة حين تنفصل عن الناس تصبح نخبوية باردة، وأن مهمة المثقف ليست أن يدهش القارئ بصعوبة العبارة، بل أن يفتح له طريق الفهم. لذلك كان هاجسه أن يقدّم المفيد والنافع، ما يقرّب ولا يباعد، ويدفع إلى التفكير والتأمل ولا ينفّر. وهذه الرؤية ضرورية في زمن الفضاء الرقمي، حيث تختلط الحقيقة بالإشاعة، والتحليل بالصراخ، والمعرفة بالانفعال.
سنديانة الفكر الهادئة
سيرته الأوسع تقيم في أكثر من مكان: في الحسكة حيث الطفولة الأولى، في دمشق حيث تشكل الوعي الجامعي والمهني، في لينينغراد حيث اتسعت نافذة الفلسفة واللغة، وفي بكين حيث اختبر الدبلوماسية وتمثيل الدولة في فضاء حضاري عريق. هذه المدن ليست محطات جغرافية فحسب، بل طبقات في شخصيته. الحسكة منحته الأصل والصلابة، دمشق منحته المجال الثقافي والسياسي، لينينغراد منحته العمق الفلسفي واللغة الروسية، وبكين منحته منظوراً آخر للعالم والحضارات.
إن سيرة الدكتور خلف محمد الجراد ليست سيرة منصب أو كتاب أو جائزة، بل سيرة انتقال طويل من قرية كادحة إلى فضاءات الفكر والدبلوماسية؛ من طفل يقرأ للجيران حكايات السيرة الشعبية إلى مفكر يترجم عن الروسية ويكتب في الفلسفة والسياسة والتاريخ؛ من ابن عامل بسيط إلى باحث يشتغل على أسئلة الأمة والعقل والهوية. وفي هذا الانتقال لا يفقد جذره الأول، بل يحمله معه. لذلك تبدو تجربته أقرب إلى شجرة سنديان في أرض الجزيرة: جذورها في الطين الأول، وأغصانها مفتوحة على رياح بعيدة.
يبقى الدكتور خلف محمد الجراد واحداً من أولئك المثقفين الذين يذكّروننا بأن الفكر ليس زينة اجتماعية، ولا مهنة كلام، بل مسؤولية تجاه الإنسان والوطن والحقيقة. لقد جمع بين العقل النقدي والروح الإنسانية، بين الفلسفة والإدارة، بين الترجمة والتأليف، بين الإعلام والدبلوماسية، وبين الانتماء الوطني والانفتاح المعرفي. وربما تكمن قيمته الأعمق في أنه ظل، رغم تعدد الألقاب والمواقع، يقدّم نفسه بوصفه باحثاً عن الحكمة. وهذه الصفة، في زمن الاضطراب والضجيج، ليست قليلة أبداً؛ إنها خلاصة رحلة طويلة، ووصية فكرية وإنسانية تقول إن المعرفة لا تكتمل إلا بالتواضع، وأن الوطن لا ينهض إلا بعقل حر، وقلب عادل، وحوار مسؤول.
كاتب وصحافي سوري

مدارات في الثقافة والتاريخ والاجتماع والسياسة

مقاربات في الفكر السياسي




