شعر

ريم النقري: الضوء شاهدٌ على انكساراتي

أنا لا أبحث عن ذاتي بل أصيغها من جديد ثم أتركها للريح

حاورها: عبد الكريم العفيدلي

ثمّة نصوص لا تُقرأ بوصفها إجابات، بل بوصفها مرايا مفتوحة على قلق الأسئلة، و ديوان ريم النقري “ما نسيهُ الغيم” من هذا النوع إذ لا يقدّم العالم كما هو بل كما يتصدّع داخله وكما يعيد تشكيل نفسه في اللغة. هنا لا تقف القصيدة عند حدود التعبير بل تتقدّم خطوة أبعد فتصبح محاولة دائمة لفهم الذات وهي تتبدّل ولرؤية الضوء وهو يتخفّى خلف المعنى.

في هذا الحوار الخاص لـ “المزمار العربي” مع ريم الشاعرة نحاول الاقتراب من تلك المنطقة التي تكتب فيها بين الغياب والحضور، بين المرئي وما يتسرّب خلفه، بين ما يُقال وما يظلّ معلقاً على حافة الصمت. وفي أكثر من نص تبدو القصيدة وكأنها محاولة للعثور على الذات لا للتعبير عنها. تكتب لتكتشف نفسها أم لتفقدها أكثر؟

*في ديوانك حضور كثيف للمرآة، لكن المرآة عندك لا تعكس الوجه بل تعكس ما وراءه. ماذا ترين في المرآة حين لا يكون هناك أحد؟

ـ أرى الهواء وهو يتنفّس، وأرى الوقت وهو يرتّب تجاعيد الحكايات. في غياب الوجوه تعكس المرآة حقيقتها الأولى: فراغاً ممتلئاً بالاحتمالات والقصائد التي لم تولد بعد.

*تبدو الحيرة في نصوصك قيمة جمالية وليست نقصاً في اليقين. هل تخافين من الإجابات النهائية؟

ـ اليقين جدار مصمت، والحيرة نافذة مشرعة على السماء. نعم، أخاف من الإجابات النهائية فهي تقتل الأسئلة. والشعر في جوهره ليس إلا سؤالاً قلقاً يرفض الموت.

*ثمّة امرأة تتكرر في الديوان بأقنعة وصور وظلال مختلفة. هل هي امرأة واحدة أم نساء كثيرات يسكنّ الشاعرة؟

ـ هي امرأة واحدة ولكنها تتناسل من حنينها. وفي داخلي قبيلة من النساء: الطفلة التي ترفض الكبر والعاشقة التي تبتكر الغياب والوحيدة التي تحرس الضوء .. كلهن أنا، وكل واحدة منهن قناع للقصيدة.

الشاعرة ريم النقري

*كتبتِ: “لأكسر الحاجز بيني وبيني”. أيُّ الحاجزين كان أصعب: الحاجز بينك وبين الآخرين أم الحاجز بينك وبين نفسك؟

الحاجز بيني وبيني كان دائماً الأكبر والأكثر قسوة. الآخرون يمكن عبورهم بكلمة أو بابتسامة أو إطراء، أما العبور إلى خبايا الذات فيتطلب كسر مرايا الكبرياء، ونبش الرماد بحثًا عن جمرة الصدق.

*في نصوصك يبدو الصمت أكثر بلاغة من الكلام أحياناً. ماذا يقول لك الصمت ولا تستطيع اللغة قوله؟

الصمت هو اللغة في أسمى تجلياتها، إنه رحم الكلام. يقول لي الصمت إن ما لا نسميه يظل حياً وخالداً، بينما الكلمات أحياناً تعلب المشاعر وتحدّ من أفقها.

*لماذا يحضر الضوء في الديوان بوصفه كائناً حياً لا مجرد صورة شعرية؟

ـ لا أرى الضوء بعيني بل بقلبي الصغير فالضوء في نصوصي صديق سري يواسي وحشتي ويمسح على رأس قصائدي، إنه الشاهد الوحيد على انكساراتي وانتصاراتي الصغيرة وثباتي الجليل.

*هل ترين أن الكتابة نوع من النجاة أم شكل أكثر رهافة من الغرق؟

ـ هي غرق مؤدٍ إلى النجاة .. نغوص في أعماق الروح حيث العتمة والضغط الشديد، لكي نطفو في النهاية وعلى شفاهنا لؤلؤة السطر الأخير.

*ثمة شعور بأن القصائد لا تبحث عن المعنى بقدر ما تبحث عن أثره. هل المعنى عندك محطة أم رحلة؟

المعنى رحلة أبدية وسفر لا يصل ولو كان المعنى محطة لنزلت منها واسترحت، لكن جمال الشعر يكمن في هذا الركض المستمر خلف سراب دافئ يسمى الحقيقة.

*في نصوصك تذوب الحدود بين الحلم والواقع. هل تؤمنين بأن الخيال يكشف الحقيقة أكثر مما يكشفها الواقع؟

ـ بالطبع. الواقع مجرد قشرة خارجية جافة، أما الخيال فهو الحفر في العمق. الخيال لا يكذب، إنه يعيد صياغة العالم كما يجب أن يكون وكما تشعر به الروح لا كما تراه العين.

*يتردد سؤال الهوية في أكثر من موضع. من هي ريم النقري بعيداً عن الأسماء والصفات والتعريفات الجاهزة؟

ـ ريم غيمة ضلّت طريقها إلى السماء فاستقرت في محبرة، ريم دمعة تأبى السقوط، وضحكة تبحث عن سبب. أنا مجرد ممر عابر تمر منه الحياة لتعبر عن قلقها.

*ماذا خسرتِ في سبيل أن تكتبي بهذه الدرجة من الصدق؟

خسرت الطمأنينة الباردة والأمان المزيف فالصدق في الكتابة يعري الروح ويجعلها هشة أمام رياح العالم، لكنها خسارة باذخة أشتري بها حريتي الشعرية بانتصار شاهق.

*في قصيدة “لست شاعرة” تعلنين ما يشبه التمرد على صفة الشاعرة. من تكونين إذاً عندما تبتعدين عن الشعر؟

ـ امرأة عادية جداً …تذهب إلى عملها، تعود حارسة لأولادها، ترتّب فوضى البيت ، ترفع صوت الموسيقى في المطبخ، تصنع القهوة وتتأمل المطر من خلف الزجاج. لكنني حتى في تلك اللحظات أكون شاعرة بالسر، فالشعر ليس رداء أنزعه بل هو جلدي.

*لماذا تبدو الذاكرة في نصوصك مكاناً للسكن أكثر منها مكاناً للاسترجاع؟

ـ الحاضر أحياناً يضيق بنا فنرمم الذاكرة بوقود الحنين لتصبح بيتاً دافئاً.

لا أستعيد الماضي لأبكي عليه بل أعيش فيه لأن جدرانه مألوفة وأكثر حناناً من جفاء اللحظة الراهنة.

*في بعض المقاطع يشعر القارئ أن الغياب شخصية حقيقية تشارك في صناعة الحدث. ماذا يمثل الغياب في حياتك الشعرية؟

الغياب هو المحرك الأكبر لقصيدتي و هو الحاضر الأقوى فالأشياء لا تتضح قيمتها إلا عندما تبتعد. الكتابة محاولتي لترويض هذا الغياب وتحويله إلى كائن أليف نبيل.

*حين تكتبين عن الحب، يبدو وكأنك تكتبين عن الوجود نفسه. هل الحب عندك شخص أم حالة كونية؟

الحب هو الطريقة التي أتنفس بها العالم. يبدأ بشخص كشرارة، ثم يتسع ليصبح فضاءً كونياً يشمل الشجر والمطر والقصائد والوجوه العابرة…الله محبّة.

*الأنوثة في الديوان ليست موضوعاً بل طريقة في رؤية العالم. كيف تعرفين الأنوثة شعرياً؟

هي حدس الروح…القدرة على رؤية الضعف كقوة والكسر كبداية لوحة فنية. هي النظر إلى العالم بعين الأمومة حيث كل الأشياء تحتاج إلى رعاية وحنان كي تزهر.

*لو سُحبت من الديوان جميع الاستعارات، ماذا سيبقى من ريم النقري؟

سيبقى العظم العاري للروح. سيبقى الأنين الصافي بلا رتوش، وسيبقى قلب ينبض في الفراغ يعلن أنه كان هنا وحاول أن يحب العالم بطريقة ريم الخاصة.

*هل هناك قصيدة في هذا الديوان كنتِ تخشين نشرها أكثر من غيرها؟ ولماذا؟

نعم. قصيدة شعرت وأنا أكتبها أنني أخلع دروعي كلها وأقف في مواجهة العالم بلا حماية. لم يكن الخوف من النشر، بل من أن يصبح ألمي الشخصي مشاعاً يمر عليه الغرباء في لحظة عابرة.

*لو خُيّرتِ بين أن يفهم القارئ قصائدك كلها أو أن يظل حائراً أمامها، ماذا تختارين؟

الحيرة بلا تردد. الفهم الكامل نهاية العلاقة بين القارئ والنص، أما الحيرة فهي المغناطيس الذي يعيده إلى القصيدة مرة بعد مرة.

*ما السؤال الذي كتب هذا الديوان كله ولم تستطيعي الإجابة عنه حتى الآن؟ كيف يمكن للإنسان أن يغني بصدى اللاوراء؟

هذا هو السؤال الذي يختبئ بين السطور، وكلما ظننت أنني اقتربت من الإجابة رمتني القصيدة في تيهٍ جديد.

*لو التقت ريم النقري اليوم بالمرأة التي تظهر في قصائدها، هل ستتعرفان إلى بعضكما؟

سننظر إلى بعضنا طويلاً بصمت، ثم نبتسم. قد لا نتطابق في الملامح فالقصيدة تمنحنا أجنحة وظلالاً تفوق واقعنا، لكننا حتماً سنعرف نبض القلب الواحد الذي يجمعنا.

*بعد إغلاق الصفحة الأخيرة من الديوان، ما الذي تأملين أن يبقى في قلب القارئ: فكرة، أم صورة، أم شعور، أم سؤال؟

آمل أن يبقى أثر فراشة، ذلك الشعور الغامض الدافئ الذي يجعله يتنهد بعمق بعد إغلاق الكتاب، والسؤال الذي يدفعه لينظر إلى مرآته هو الآخر ويبحث عما وراء وجهه.

*إذا كان هذا الديوان رسالة وضعتها في زجاجة وألقيتها في بحر العالم، فلمن كانت الرسالة حقاً؟

لم تكن الرسالة لأحد في الخارج… ألقيتها في البحر لتدور مع الأمواج والفصول، ثم تعود إليّ مع المدّ بعد سنوات. كنت أكتب لتلك المرأة التي سأكونها في المستقبل، لتقرأ ما كنت عليه الآن وتعرف كم كلفني هذا الضوء من عتمة.

الرسالة كانت لي… والغريب أنني ما زلت أنتظر وصولها.

شاعر سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى