أدب

«خربة الصوخر» رواية تسنطق الذاكرة وتنتصر لحكايات المنسيّين

أكرم حسن منذر يزاوج بين التوثيق والتخييل ليثأر لوجدان الشهداء

عبد الكريم البليخ

تواصل الرواية العربية انشغالها بأسئلة الذاكرة والتاريخ والهوية، ساعية إلى إنقاذ الحكايات الإنسانية من النسيان وإعادة الاعتبار لأصوات غيّبتها الحروب والتحولات الكبرى. وفي هذا السياق، تأتي رواية “خربة الصوخر” للكاتب السوري أكرم حسن منذر بوصفها شهادة أدبية تستحضر الماضي وتضيء جراحه المفتوحة.

«خربة الصوخر»، هي العمل الروائي الرابع للكاتب والمهندس السوري أكرم حسن منذر، المقيم في النمسا، بعد ثلاثيته الروائية التي ضمّت «نزيف السنديان»، و«قحطستان»، و«أشرعة الروح». وبهذا الإصدار، يواصل منذر مشروعه الأدبي القائم على مساءلة التاريخ، والنبش في طبقاته الخفية، واستعادة الحكايات التي ظلّت زمناً طويلاً عالقة بين الصمت والنسيان.

لا تبدو «خربة الصوخر» روايةً تكتفي بسرد أحداث وقعت في زمن مضى، بقدر ما تمثّل محاولة لإعادة الإصغاء إلى أصوات أناس عبروا الحياة تحت وطأة الحروب والتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، ثم غابت أسماؤهم، أو تراجعت حكاياتهم خلف ضجيج الروايات الرسمية. إنها كتابة تنحاز إلى الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، وتمنحه فرصة جديدة ليقول ما لم يستطع قوله في حياته، وليستعيد بعضاً من حقه في الذاكرة والوجود.

الأدب يحرس الذاكرة

ينطلق أكرم حسن منذر في روايته الصادرة حديثاً عن دار “فواصل” في بيروت، من إيمان بأن التاريخ لا تصنعه القرارات السياسية والمعارك الكبرى وحدها، وإنما تصنعه أيضاً التفاصيل الصغيرة التي تُهمَل عادةً: أمٌّ تترقب عودة ابنها، وبيتٌ أُغلق بابه وبقي ينتظر أصحابه، ورسالة لم تصل، وحلم انطفأ قبل أن يكتمل. فالحروب، مهما اتسعت خرائطها، تبدأ في النهاية من قلب الإنسان، وتترك أعمق آثارها في روحه وعلاقاته وذاكرته.

وتأتي الرواية ضمن المشروع الذي يشتغل عليه منذر، مستحضراً التحولات السياسية والاجتماعية والإنسانية التي شهدتها سوريا ولبنان. وهو يزاوج بين السرد الأدبي والوقائع التاريخية الموثّقة، من دون أن يحوّل الرواية إلى سجل جامد للأسماء والتواريخ؛ إذ يعيد صوغ الماضي من خلال مصائر بشرية تحمل خوفها وحزنها وأحلامها الصغيرة، وتواجه في الوقت ذاته أسئلة الهوية والانتماء والعدالة والوفاء.

وعن روايته الجديدة يقول منذر: «إسهاماً منا في حفظ ذاكرة الشعوب، والإضاءة على الحقوق الإنسانية، نقدّم هذا العمل الروائي بوصفه قراءة موثقة لأحداث مرّت في تاريخ المنطقة، لا سيما أن الأدب هو الذاكرة الوجدانية للشعوب».

تكشف هذه العبارة عن الهاجس الأساسي الذي تنهض عليه الرواية؛ فحفظ الذاكرة هنا ليس فعلاً توثيقياً محضاً، بل موقف أخلاقي في مواجهة النسيان. فالذاكرة، في المجتمعات التي عاشت الحروب والانقسامات، لا تبقى شأناً فردياً أو حنيناً عاطفياً إلى الماضي، وإنما تتحول إلى ساحة للصراع بين من يريد استعادة الحقيقة، ومن يسعى إلى محوها أو إعادة تشكيلها بما يخدم روايته ومصالحه.

الروائي السوري المهندس أكرم حسن منذر

وتسعى «خربة الصوخر»، بحسب مؤلفها، إلى استجلاء الحقائق، ووضع القارئ أمام صورة إنسانية شاملة عن الشهداء في سوريا ولبنان، كي تبقى تضحياتهم حاضرة في وجدان الأجيال، ومنارةً تستلهم منها معاني الوفاء والانتماء. فالشهداء في الرواية ليسوا أرقاماً عابرة في نشرات الأخبار، بل حيوات كاملة كانت لها بيوت وأمهات وأحلام ومواعيد مؤجلة، قبل أن تقتحمها المأساة وتحيلها إلى ذاكرة مفتوحة على الألم.

ولا تكتفي الرواية باستعادة الوقائع، بل تتوغل في آثارها النفسية والاجتماعية العميقة. فالحروب لا تنتهي بمجرد صمت المدافع، لأنها تستمر في أرواح الناجين، وفي قلق الأمهات، وفي عزلة المفقودين، وفي البيوت التي فقدت أصوات أهلها. كما تظل حاضرة في العلاقات الاجتماعية التي أصابها التصدع، وفي المدن والقرى التي تبدّلت ملامحها، وفي الإنسان الذي بات يحمل وطنه جرحاً داخلياً، سواء بقي في أرضه أم حمل غربته ومضى.

فالناجي من الحرب لا يخرج منها كما دخل إليها؛ إذ تتغير نظرته إلى الحياة والأمان والآخرين، ويصبح الماضي جزءاً من حاضره، يتسلل إلى أحلامه ومخاوفه وصمته. وعلى المستوى الاجتماعي، لا تترك المأساة خلفها ضحايا مباشرين فحسب، بل تخلّف مجتمعاً مثقلاً بالفقد، يحتاج إلى سنوات طويلة كي يرمّم ثقته بذاته وبالعالم.

ومن هنا تتحول الذاكرة في «خربة الصوخر» إلى فضاء لمساءلة التاريخ، ويغدو الأدب وسيلة لمقاومة المحو، وحفظ حقوق الضحايا، وإعادة الاعتبار إلى الذين سُلبوا حقهم في الكلام. فالرواية لا تستعيد الماضي من أجل البكاء عليه، بل لتحريره من الصمت، وإعادة قراءته بعين أكثر إنسانية وعدالة، ولتحويل الألم من جرح فردي معزول إلى وعي جمعي يمنع تكرار المأساة.

ومن جانبها، رأت الشاعرة والمهندسة غادة رسلان الشعراني أن الرواية عمل أدبي يرسم «خطوط الدروب الغائبة الحاضرة فينا على مرّ التاريخ»، ويستحضر الوطن بما يحمله من جمال ووجع وانتماء. وتقول في قراءتها للعمل: «عمل روائي يرسم خطوط الدروب الغائبة الحاضرة فينا على مر التاريخ، ويقلّم أظافر عناوين الوطن لنظفر بالبهاء، ويفيض المعنى بالنقاء، ويترك لنا منحة الانتماء، فيهدي قلوبنا جوازات فارهة نحو خدود الورد، لنرتاح على كتف الوجع وصدر البازلت».

وفي هذه القراءة الشعرية، يبدو الوطن كائناً حيّاً يجمع التناقضات كلها؛ فهو الورد والوجع، والنقاء والبازلت، والجمال الذي يخفي في أعماقه تاريخاً من الخسارات.

وتضيف الشعراني أن الرواية تعلن أوطانها «زيتوناً منحازاً إلى الاشتعال والأبدية والنور، وكالأرز الشامخ المعتكف على خاصرة الجمال، والياسمين البهي الذي يخفي في صدره كل النواح والبياض».

ولا تؤدي هذه الرموز وظيفة جمالية فحسب، بل تكثّف حضور المكان في الوجدان. فالزيتون والأرز والياسمين ليست مجرد أشجار وروائح، وإنما علامات على وطن يرفض أن يتحول إلى ذكرى باهتة، ويصرّ على البقاء رغم ما مرّ به من قسوة. أما البازلت، بما يحمله من صلابة وسواد وارتباط بالأرض، فيغدو رمزاً لذاكرة عصيّة على الكسر، حتى وإن تراكم فوقها غبار السنين.

الكلمة تثأر للشهداء

ويرى أكرم حسن منذر أن هذا العمل الأدبي يمثّل نوعاً من الثأر المعنوي لوجدان الشهداء وأرواحهم؛ فالأدب لا يثأر بالسلاح، بل باستعادة الأسماء، وصون الحكايات، ومنح الضحايا حياة أخرى في الكلمات. وحين تتعرض المعالم التاريخية للطمس، أو تُختزل التضحيات في روايات ناقصة، يصبح الفن شاهداً أخلاقياً، وتغدو الكتابة مقاومةً للنسيان وتشويه الوعي.

وترتبط الرواية، وفقاً لمؤلفها، بشهداء السادس من أيار، وبمرحلة من التضحيات والاضطرابات دفعت جماعات إلى الهرب باتجاه مدائن صالح، ثم الاحتماء بالجبل، حيث وفّر لهم سلطان باشا الأطرش الحماية فترةً من الزمن في منطقة حملت اسم «خربة الصوخر». ومن هذه الوقائع تستمد الرواية مادتها التاريخية والإنسانية، لتروي قصص أشخاص قدّموا تضحيات جسيمة، وظلوا بحاجة إلى الإنصاف والاحترام والوفاء.

وفي هذا الفضاء المزدحم بالرموز والأسئلة، ينسج أكرم حسن منذر روايته من وجع المكان وذاكرة أبنائه، مستنداً إلى إيمان عميق بقدرة الكلمة على مواجهة الفناء. ويتجسّد ذلك في العبارة المحورية التي يوردها العمل: «السيف فرد، والكلمة قضية؛ يموت الفرد، ولا تموت القضية».

هكذا تنفتح «خربة الصوخر» على أسئلة التاريخ والعدالة والهوية، وتحاول إعادة الاعتبار إلى حكايات أناس عصفت بهم الحروب، لكنها لم تستطع أن تنتزع منهم حقهم في الذاكرة. إنها شهادة أدبية على مرحلة مثقلة بالألم، ودعوة إلى صون الحكايات من المحو؛ لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لتكرار مآسيها، ولأن الكلمة، مهما تأخر وصولها، تظل قادرة على إيقاظ الحقيقة من بين الصخور، وإعادة الضوء إلى الأرواح التي حاول النسيان أن يطويها.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى