سير

صادق الصائغ… ” حيث هو القلب”

هاشم شفيق

صادق الصائغ الشاعر الراحل، اسم عراقي لامع، في مجال الشعر والخط والرسم، صحافي بارز وقديم، مصمّم مجلات وصحف، وناقد فني للفنون عامة، كالمسرح والسينما والفن التشكيلي، وله تاريخ مضيء في سماء الصحافة العراقية منذ الخمسينيات. ففي تلك الفترة، كان صادق الصائغ سكرتير تحرير مجلة «فنون»، حيث نشر للشاعر سعدي يوسف المنطلق توّاً إلى عالم الشعر في ذلك الزمن بعضاً من قصائده الأولى.

بدأ صادق الصائغ باكراً ليكون نجماً، وحقاً أصبح نجم الإذاعة والتلفزيون في مطلع السبعينيّات، ولاسيّما شاشة التلفزيون، حيث كان يقدّم وقتها برنامجه المعروف في ذلك الوقت «البرنامج الثاني»، ولكن البعثيين الذين عادوا إلى الحكم مرة ثانية، وتمّت سيطرتهم حينها على الحياة العامة بمجملها، لم يَرُق لهم صعود مثقف يساري الى شاشة يراها جميع العراقيين، حتى تمّ استبعاده وقتذاك إلى مجلة « ألف باء»، وحين استتبت الأوضاع كلها، وآلت في النهاية لسلطتهم، أبعدوه عن مجلة «ألف باء»، فلجأ حينها الى صحيفة «طريق الشعب» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي، الوليدة حينذاك، فنشط فيها وبرع في كتابة المقالات الفنية حول المسرح والسينما والفن التشكيلي، هذا عدا عن كونه شاعراً نادراً، وله طريقة جديدة في الكتابة، وقد جسّد هذه الرؤيا الحديثة في ديوانه الأول واللافت «نشيد الكركدن»، الذي كان إصداره في منتصف السبعينيات مثار حديث عن شاعر مجدد ومختلف. وكان قد مهّد الى هذا الأمر في قصيدة لافتة، نشرتْ حينها في مجلة «الآداب» اللبنانية، وكانت بعنوان «حكاية الولد دحام»، وقد تناولها النقد حينذاك على أنها قصيدة تبشر بولادة شاعر جديد.

ولكن صادق متعدد المواهب والاتجاهات والسياقات الفنية والجمالية، لم يكرّس نفسه كلياً الى الشعر، بل توزّع ما بين النقد والخط والرسم والتصميم، ومن هنا كانت حصّة الشعر في تاريخه الشعري المُشرّف قليلة، بالقياس إلى ما قدّمه سعدي يوسف وهو يكبره بعامين، أو حسب الشيخ جعفر وهو يصغره بستة أعوام.

قرأت لصادق الصائغ في بغداد ديوانه الأول «نشيد الكركدن»، ثم في بيروت ديوانه الصادر آنذاك في مطلع الثمانينيات «حيث هو القلب»، وبعد مرور عقد من السنوات قرأت في لندن ديوان «وطن للروح»، وفي مطلع الألفية الثانية قرأت له قصيدته المؤثرة «هنا بغداد”.

لو عدنا الى حياة صادق كشاعر وفنان، لوجدناها حياة بوهيمية، فهو لم يهتم كثيراً بحياته الشخصية، لم يعط الشعر جلّ وقته، أو يمنحه مساحة أكبر في حياته، لأن حياته قد تناهبتها الصحافة، والصحافة بمعناها المهني والعملي، تأكل حياة ممتهنها، أمّا إذا كان الممتهِن صادق الصائغ يكتب سيناريوهات فيلم أو مسرحية، ويرسم ويصمم ويخرج مجلات، فهنا مساحة الشعر ستتصاغر أكثر. رغم ذلك ورغم تعدد مواهبه، كان صادق يُعد شاعراً أولاً وأخيراً، فهو صوت بارز ومجدد ولاسيّما في ديوانه الأول «نشيد الكركدن»، لكنه ظل حريصاً على تعدد مواهبه، فهو يرى أن كلمة شاعر فقط لا تكفيه، كونه يجد في نفسه التعددية الفنية، ويميل أيضاً ليكون بوهيمياً، مبتعداً قدر المستطاع عن مساقط الضوء، ذلك أنه كان يهتم بالحياة الجانبية البسيطة، تلك التي تستدعي تكوين صداقات جديدة، من دون تخلّيه بالطبع عن صداقاته القديمة، بل تراه يربط بروح جميلة الخيط الصداقي بإحكام بين الأجيال كلها، فهو لديه صداقات مع جيل الخمسينيات كحسين مردان ثمّ سعدي يوسف ويوسف الصائغ، وكذلك تمتد علاقته على نحو طبيعي بالجيل الستيني، الذي وقف وهو الأكبر منهم قليلاً، ليرى الى تجاربهم كيف تتم وتجري وتتكوّن، فكان بينهم دون أن ينتمي كلياً إليهم، ثم جاء الجيل السبعيني والأجيال التي تلته ليكون الصديق الأقرب لهم، فهو معهم ليل نهار، يكتب ويجادل ويناقش وينشر في الصحف والمجلات قصائد مثلهم، ويسهر كذلك الى الفجر مثلهم، ولكنه كان لا يتطرّف في الشراب مثلهم، ولا في التدخين كذلك، ومن هنا حافظ على لياقة بدنية وصحيّة الى حد ما، جنّبته الإدمان بكل أنواعه، فهو إن شرب مجاراة للسهرة وجلسات الأصدقاء، فهو هنا سيشرب كأساً واحدة، أو يدخّن سيجارة واحدة طوال السهرة، كان لا يتطرّف في كل شيء، بداية من الشعر ونهاية بالخط والرسم، ولكنه كان يعطي للصداقة الموقع الأول، فهو صديق من طراز خاص، أحب الشعراء الصعاليك والمجانين وربطته علاقة وثقى بهم، من دون أن يمتثل لمعطياتهم، في السلوك اليومي فمثلاً كان صديقاً لشعراء عراقيين وعرب سرياليين في بيروت، وكنا نعجب لمجاراته لهم، فهم كانوا متطرّفين في كل شيء، في أنماط السلوك مثل الشراب والتدخين بأنواعه، والصخب والشجار والمناكفة والتشرد والإفلاس، كان هذا الجمع يُحب صادق الصائغ الذي يرى فيهم صورته الضائعة بين البوهيمية والرصانة، بين الشيوعية والسريالية، وبين الخصوصية والذيوع.

فالشاعر الراحل صادق الصائغ كانت العاصمة بغداد تجري في عروقه لتختلط بدورته الدموية، فهو ابن المدينة وابن قاعها، حيث تتفرّع بغداد كالشرايين إلى «حيث هو القلب»، الأزقة القديمة في منطقة الأرضروملي، وسينمتها التاريخية «سينما الأرضروملي» والتي تحوّل اسمها في ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز/  يوليو في عام 1958 إلى «سينما بغداد»، وكذلك المنطقة سمّيت بـ»علاوي الحلة»، وهي منطقة شعبية تعجّ بالأسواق المتداخلة مع بعضها، والأزقة الصغيرة التي تتفرّع منها لتمسي مناطق شهيرة، مثل منطقة «الرحمانية» و”الدوريين” التي تضم مرقد المتصوّف الأشهر منصور الحلاج، فضلاً عن مواقف النقل التي تربط بغداد ببعض المحافظات، وبينها وبين نهر دجلة خطوات.

تعرّفت على صادق الصائغ في بغداد في مطلع السبعينيات، وتوطدت علاقتي به أكثر في بيروت، لتصل الى أوجها في براغ العاصمة التشيكية، ومن ثمّ في لندن العاصمة البريطانية. فهو كان خير مساعد وخير صديق وخير مضيّف لنا في براغ، هو وزوجته آنذاك سعاد الجزائري، يوم ذهبت الى براغ مراسلاً لمجلة «فلسطين الثورة” التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كان صادق شخصية محبوبة، بطلّته المميزة وضحكته الأثيرة وحسن معشره، يتحلّى بالدماثة واللطف وحسن المعشر، ما يجعله قريباً من الروح، تلك الروح التي كتب عنها قصيدة «سيناريو الروح»، وديواناً أيضاً بعنوان “وطن للروح”.

فلترقد روح صادق الصائغ بسلام، وهي بعيدة عن تراب العراق الذي غنّاه طويلاً في شعره المؤنس.

شاعر وروائي ومترجم وناقد عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى