باليت المزمار

كولن: أجراس وعطور

ستار كاووش

هذا هو اليوم الأخير من زيارتي لمدينة كولن، وعليَّ القيام بجولة ختامية لمشاهدة بعض الأماكن وتبضّع التذكارات. وبما أن عطر الكولونيا الذي اشتق اسمه من مدينة كولن، يُعدّ أشهر ما قدّمته للعالم منذ قرون، فقد توجهت إلى شارع غلوكنغاسَه، حيث يقع أقدم متجر للكولونيا، والذي تحوّل الآن إلى متحف صغير متخصص بهذا العطر الذي يعكس شخصية هذه المدينة وتاريخها وخصوصيتها. والطريف هو أن اسم هذا المتحف هو “4711”، وهو عنوان البيت الذي كان يُصنع فيه ماء الكولونيا في القرن الثامن عشر، حتى صار هذا الرقم هو العلامة التجارية المهمّة والفريدة. وضعتُ قدمي على عتبة الباب محاولاً الدخول، فسمعت أصوات أجراس قادمة من فوق البناية، نظرتُ إلى الأعلى فبانتْ ساعة تشير إلى الثانية ظهراً، ومحاطة بعشرين جرساً تُطلق أصواتاً متناغمة. وبعد لحظات توقفت موسيقى الأجراس، وقد عرفتُ بأنها تقوم بذلك كل ساعة، هي بداية جيدة إذن، يختلط فيها العطر مع رنين الأجراس.

في الداخل، امتلأ المكان بزجاجات عطر تاريخية مختلفة الألوان والأشكال، يعود بعضها للقرن التاسع عشر، وفي وسط الطابق الأرضي امتلأ كل المكان بعطر الكولونيا، حيث انتصبت نافورة صغيرة تنثر عطراً بدل الماء، وهكذا تغلغل رذاذها في أرجاء المكان. كل شيء هنا له ارتباط وثيق بعطر الكولونيا، حتى الشموع والصابون وأدوات الاستحمام، إضافة إلى الكثير من المطبوعات والوثائق التي توزّعت هنا وهناك، لتؤكد السمعة والشهرة التي حصل عليها ماء الكولونيا، والتي وصلت إلى القاصي والداني.

تركتُ المتجر بعد شرائي قارورة عطر صغيرة، وما إن صرتُ خارج متحف العطر، حتى سمعتُ أصوات الأجراس من جديد، وكأنها تُعلن أنني قد قضيت ساعة كاملة في هذا المكان الفريد. مضيت بضع خطوات أخرى ثم التفتُّ إلى الساعة، فتوقفت الأجراس عن الرنين وودّعتني الساعة بصمت مهيب. ابتسمت وأكملتُ طريقي في الشارع المحاذي لدار الأوبرا، وتوجهتُ إلى مقهى صغير قضيت فيه نصف ساعة مع فنجان قهوة وقطعة من “كعك الرخام”، الذي تداخلت فيه الشوكولاتة مع عجينة الكعك وحوّلته إلى ما يشبه قطعة رخام، ومن هنا جاءت التسمية. قضمتان من الكعك ورشفة قهوة، فيما عينايَ تتابعان المارة من زجاج النافذة العريضة في هذه الظهيرة التي بدأ فيها النهار ينكشف أكثر فأكثر.

مدينة كولن تشبه امرأة بشعر طويل ومموّج، تمشي أمامك فتتناثر خصلات شعرها في كل الجهات، حتى يُخيّل لك وأنت تتجول في شوارعها كأنها ليست مدينة واحدة، بل مجموعة من المدن اجتمعت في هذه المساحة الجميلة. وأنا بدوري مضيتُ في هذه الظهيرة أتنقل بين ساحاتها وشوارعها المرصوفة بعناية، حتى وصلتُ إلى ساحة “السوق الجديد” التي كانت تغصّ بحركة الناس وفلاحي النبيذ المنشغلين بنصب أكشاك عديدة في صفين متباعدين، توزعت بينهما مئات الطاولات والكراسي التي بدأ الناس يتوافدون إليها، حيث بدأ موسم بيع النبيذ. أكملتُ جولتي نحو الجانب الآخر من المدينة حيث يغفو “السوق القديم” قرب نهر الراين، وتشعبت هناك الجادات الضيّقة التي امتدت على جوانبها المطاعم الصغيرة، التي تنبعث منها نكهة حساء الطماطم التي امتزجت مع رائحة البنايات القديمة، وبين هذه وتلك تتصاعد نفحات القهوة من بين طاولات الرصيف التي غطتها شراشف حمر وعلتها طاولات بذات اللون، فزاد ذلك من وهج المشهد، فيما أقداح الجعة الكولونية الشقراء تلتمع بين أيدي النادلات، وتتناغم مع سحنات وجوههن الذهبية المشرقة.

وبمحاذاة ساحة السوق القديم وقف نصب الملك فريدريك وليم الثالث على صهوة جواده، كأنه يطمئن على رعاياه أو يرحب بضيوف المدينة. هكذا تخيلتُ هذا الملك الذي اشتهر بالبساطة وعدم التكلف، وحتى روح الدعابة، لذلك ما زالت له مكانة خاصة في قلوب سكان المدينة. توقفت أتأمل صنعة التمثال الفخم، الذي هو جزء من تماثيل الفروسية التي انتشرت في ألمانيا بشكل واسع في القرن التاسع عشر. هنا قال البرونز كل شيء؛ الملك على حصانه، ما زال حاضراً بشعره المجعد الذي أضفى عليه مسحة شعرية، يمسك صولجاناً ويميل رأسه قليلاً نحو اليسار، فيما يتدلى رداؤه الصوفي من على كتفيه ثم ينسدل على جسد الحصان الجامح. ومثلما كان هذا الملك محبّاً للناس، ويتخفّى أحياناً بملابس بسيطة متجولاً بين العامة، هكذا أحاط بتمثاله ستة عشر تمثالاً برونزياً تمثل الكثير من الشخصيات المؤثرة في تاريخ هذه المدينة.

اقترب المساء، فحزمتُ أمتعتي وودعتُ المدينة التي عمرها ألفا سنة تقريباً، وكان عليَّ المرور بمحاذاة كاتدرائية الدوم التي تنتصب بجوار محطة القطار التي اكتظت بالمسافرين، وسحبتُ حقيبتي إلى الداخل بانتظار أن يحملني القطار غرباً نحو هولندا. ووسط الصالة الواسعة التي تؤدي إلى خطوط القطارات نظرتُ إلى سقف المحطة الزجاجي، فلاح لي برجا كاتدرائية الدوم في الفضاء وهما يرتفعان مثل نسرين كبيرين فوق هامة المحطة، يا له من وداع مهيب. فكرتُ بنفسي كزائرٍ مرَّ على هذه الأرض، وتابعتُ ببصري المسافرين الذين يمرون أمامي ذاهبين إلى أماكن مختلفة أو قادمين من جهات قصية، ثم حاولتُ استعادة الناس الذين صنعوا كل هذه المعجزات، وتمتمتُ بجملة واحدة: ما أعظم الإنسان.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى