ضياء حسن… استعادة التراث برؤية تشكيلية معاصرة
هل تتحول اللوحة إلى فضاء للتأمل الروحي؟
أميرة ناجي

هناك فنانون يرسمون ما تراه العين وآخرون يرسمون ما تشعر به الذاكرة، لكن الدكتور ضياء حسن: ينتمي إلى أولئك الذين يجعلون اللوحة فضاءً للتأمّل الداخلي حيث لا يعود اللون مجرد عنصر بصري، ولا الحرف مجرد كتابة بل يتحولان إلى لغة فلسفية تستدعي الإنسان من أعماقه. أمام أعماله يشعر المتلقي أنّه لا يقف إزاء سطح تشكيلي جامد بل أمام كيان حيّ ينبض بالإيقاع وتتحرك داخله العلاقاتًَ البصرية كما تتحرك الموسيقى في الفراغ.
في هذه التجربة تتخفف اللوحة من سردها المباشر، وتتجه نحو بناء تأملي يزاوج بين التجريد الهندسي والروحانية الشرقية، حتى يبدو العمل وكأنه محاولة لإعادة اكتشاف المعنى عبر اللون والخط والمساحة.
وما يمنح هذه الأعمال خصوصيتها أنّ الفنان يقترب من الحرف العربي ويمنحه بعداً بصرياً وروحياً يجعل منه مركزاً للطاقة داخل اللوحة. لذلك تبدو الحروف وكأنها تتنفس داخل التكوين، لا تُقرأ لغوياً بقدر ما تُستشعر وجدانياً.
يقول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار: الأشكال تحتفظ بذاكرة الروح. وهذه العبارة تكاد تختصر جوهر تجربة الدكتور ضياء حسن
لأنّ اللوحة لديه لا تقوم على الشكل وحده، بل على ما يختبئ خلف الشكل من ذاكرة وإحساس وأثر حضاري. فكل انحناءة خط، وكل انتقال لوني، وكل مساحة صامتة داخل العمل، تبدو محمّلة بتاريخ طويل من التأمل البصري والوعي الجمالي.
إنّ المتلقي أمام هذه الأعمال يدخل في حوار غير معلن مع اللوحة. ثمة هدوء داخلي يشع من الألوان، وثمة نظام خفيّ ينظم العلاقات بين الكتل والمساحات حتى يبدو التكوين أقرب إلى معمار بصري شديد الانضباط .
لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بعاطفته ومرونته وانسيابه. هذه القدرة على الجمع بين الصرامة الهندسية والحسّ الروحي تمنح التجربة نضجها وتفرّدها.

تقوم لوحات الفنان ضياء حسن على وعي دقيق ببنية التكوين. فالمساحات والخطوط لا تتحرك بلا هدف، بل إنّ كل جزء داخل العمل يؤدي وظيفة جمالية وإيقاعية. هناك توازن محسوب بين الامتلاء والفراغ، وبين الكتلة والحركة، بما يجعل العين تنتقل بانسيابية من منطقة إلى أخرى دون أن تفقد إحساسها بالوحدة الكلية للعمل.
في بعض الأعمال نرى الخط الخارجي يحتضن التكوين كما لو أنه يحاول حماية الشكل من التلاشي، بينما تتداخل المنحنيات والزوايا في لعبة بصرية تعتمد على الإيقاع أكثر مما تعتمد على الوصف. وهذا ما يمنح اللوحة طابعاً حداثياً واضحاً، حيث يغادر الفنان فكرة النقل الواقعي ويتجه نحو بناء عالمه الخاص القائم على الاختزال والترميز.

أما اللون، فهو أحد أهم أسرار هذه التجربة. يستخدم لتأسيس المعنى النفسي والروحي للعمل. الأزرق هنا ليس مجرد لون بارد، بل فضاء للتأمل والسكينة، والأحمر لا يأتي ككتلة صاخبة بل كنبض داخلي يمنح اللوحة حرارتها الإنسانية، فيما يفتح الأخضر باباً للتوازن والصفاء، ويمنح الأبيض مساحة للتنفس البصري وسط كثافة العلاقات اللونية.
هذا الوعي بعلم اللون يجعل الأعمال تحتفظ بانسجامها حتى في أكثر لحظاتها امتلاءً. فالفنان يعرف كيف يخلق علاقة دقيقة بين التضاد والتناغم، بين اللون الصريح واللون الهادئ، بحيث تتحول اللوحة إلى نسيج بصري متماسك لا يشعر فيه المتلقي بأي فوضى رغم كثافة العناصر.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه التجربة حضور الحرف العربي داخل التكوين بطريقة تنأى عن التقليد المباشر. الحروف تظهر أشكال حية تتحرك داخل الفضاء التشكيلي وتشارك في صناعة الإيقاع العام للعمل. إنّ الفنان يعيد اكتشاف الحرف باعتباره طاقة بصرية وروحية، قادرة على أن تحمل معنى الهوية دون أن تقع في أسر التكرار الكلاسيكي.
في الأعمال التي تستدعي البسملة أو العبارات الروحية، يبدو الحرف وكأنه يمتلك قداسة صامتة، لكنه في الوقت ذاته مندمج تماماً داخل الحداثة البصرية للتكوين. وهنا تكمن فرادة التجربة، لأنها لا تعيش في الماضي، ولا تقطع صلتها به، بل تعيد قراءة التراث من داخل رؤية معاصرة تمتلك وعيها الفني والفلسفي.
إنّ الارتباط بالإرث الحضاري في هذه الأعمال لا يأتي من خلال الاقتباس المباشر، بل عبر استحضار الروح الكامنة في الفن العربي والإسلامي، حيث العلاقة العميقة بين الهندسة والإيقاع والتكرار والتناغم.
ويمكن ملاحظة أثر العمارة الإسلامية في بناء المساحات، كما يمكن ملاحظة تأثير المخطوطات والزخارف القديمة في حساسية الخط وتوازن العناصر.
لكن الفنان لا يكرر هذه المرجعيات، بل يحولها إلى جزء من لغته الخاصة. وهذا ما يجعل أعماله معاصرة رغم جذورها العميقة. فهو لا يستنسخ التراث، بل يعيد إنتاجه داخل بنية حديثة قادرة على مخاطبة العين المعاصرة دون أن تفقد دفئها الشرقي.
ومن الناحية التقنية، تكشف الأعمال عن خبرة واضحة في التعامل مع المادة والسطح.

هناك نعومة في الانتقالات اللونية، ودقة في توزيع الكتل، إضافة إلى قدرة على التحكم بالإيقاع الداخلي للتكوين. حتى الخطوط التي تبدو عفوية تخضع في الحقيقة لنظام بصري دقيق يمنح اللوحة وحدتها وتوازنها.
وفي بعض الأعمال نلاحظ اعتماد الفنان على تقسيمات هندسية حادة تقابلها خطوط منحنية مرنة، وكأنّ اللوحة تقوم على حوار بين العقل والعاطفة، بين النظام والحرية. هذا التوتر الجمالي يمنح العمل حيويته ويمنع سقوطه في الرتابة.
كما أنّ المساحات الهادئة داخل اللوحة تؤدي دوراً مهماً في خلق الإيقاع البصري، إذ تمنح العين فرصة للتأمل والراحة وسط كثافة العناصر الأخرى. وهذه الحساسية في إدارة الفراغ تكشف عن فهم عميق لفلسفة التكوين، حيث يصبح الصمت جزءاً من اللغة البصرية، تماماً كما في الموسيقى حين تكتسب الوقفات قيمتها الجمالية داخل اللحن.
إنّ تجربة ضياء حسن لا تعتمد على الإبهار اللحظي بل على التراكم البصري والتأمل التدريجي. فكلما طال النظر إلى اللوحة انكشفت طبقات جديدة من العلاقات والإشارات والدلالات.
وهذا ما يمنح العمل عمقه الحقيقي لأنّ اللوحة العظيمة ليست تلك التي تنتهي عند النظرة الأولى، بل التي تظل قادرة على إنتاج المعنى كلما عاد إليها المتلقي.

وثمة بعد إنساني واضح يسكن هذه الأعمال رغم تجريدها الظاهري. فالأشكال المنحنية والخطوط المتشابكة توحي أحياناً بأجساد تحتضن بعضها أو بأرواح تتقاطع داخل فضاء واحد، وكأن الفنان يريد أن يقول إن الإنسان، مهما ابتعد عن جذوره، يظل محتاجاً إلى ذلك الخيط الروحي الذي يربطه بالعالم.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنّها لا تصرخ بفكرتها بل تهمس بها.
إنّها تجربة تؤمن بقوة التأمل لا بضجيج المباشرة، وتمنح المتلقي حرية الدخول إلى اللوحة من زاويته الخاصة. لذلك يشعر كل متلقٍّ أنّ العمل يخاطبه بطريقة مختلفة، وأنّ المعنى يتشكل داخله بقدر ما يتشكل أمامه.
لقد استطاع ضياء حسن أن يخلق لغة تشكيلية تمتلك خصوصيتها الواضحة لغة تقوم على المصالحة بين الحداثة والهوية، وبين الحس الهندسي والروح الشعرية، وبين الحرف واللون. وهي معادلة صعبة لا ينجح فيها إلا الفنانون الذين يمتلكون وعياً بصرياً وثقافياً عميقاً.
إنّ هذه الأعمال تُشاهد، بل تُعاش تجربة روحية وبصرية في آن واحد. فالحرف يتحول فيها إلى نبض، واللون إلى ذاكرة، والهندسة إلى موسيقى صامتة تتحرك داخل العين والروح معاً. ولهذا تبدو تجربة الدكتور ضياء حسن واحدة من التجارب التي تؤكد أن الفن الحقيقي لا يكتفي بصناعة الجمال، بل يعيد ترتيب علاقتنا بالعالم وبأنفسنا أيضاً.
ناقدة وفنانة تشكيلية عراقية




