على الملأ

شرف مهنة الصحافي

عبد الكريم البليخ

في حياة الإعلامي، لا تبدو المصداقية ترفاً أخلاقياً ولا شعاراً مهنياً يُعلّق على الجدران، بل امتحاناً يومياً قاسياً، أشبه بالسير على حدّ السيف. فهي ليست مادةً في مواثيق التخرّج، ولا عبارةً برّاقة في سيرٍ ذاتية، بل اختيار يتجدّد كل صباح: أن تكون شاهداً لا بوقاً، وأن تنحاز إلى الحقيقة ولو خسرت التصفيق. لذلك، كثيراً ما يدفع الصادق ثمن صدقه عزلةً أو تشويهاً أو تضييقاً، لأن الشاهد يزعج أكثر مما يرضي، ويقلق أكثر مما يطرب.

في زمن السرعة الطاغية، تتكاثر المنصّات كما لو كانت نوافذ مفتوحة في مدينة بلا جدران، وتنتشر الشائعة بسرعة تفوق قدرة العقل على التثبّت. معلومة عابرة قد تصنع ذعراً جماعياً أو نشوةً كاذبة، وكلمة غير منضبطة قد تعيد تشكيل الوعي والخيارات والمصائر. هنا تتجلّى وظيفة الإعلامي الحقيقي: أن يدرك أن الكلمة ليست صوتاً عابراً، بل حدثاً نفسياً واجتماعياً، يمكن أن يكون جسراً للفهم أو هاويةً للانقسام.

المصداقية، في جوهرها، ليست زينة مهنية، بل بوصلة داخلية تهدي صاحبها في عتمة الوقائع المتشابكة. هي رأس المال الرمزي الذي يُبنى بالصبر والتراكم، ويُستثمر ثقةً في قلوب الناس. ومن دونها يتحوّل الإعلامي من شاهد على العصر إلى أداة فيه، ومن ناقل للحقيقة إلى صانع للظلال. الخطأ وارد، وهو يُغتفر بالتصويب والاعتذار؛ أما الوهم ـ وهم العصمة أو النفوذ ـ فهو السقوط الحقيقي. فالمجتمعات، مهما طال صبرها، تملك حدساً أخلاقياً يكتشف الزيف كما يكتشف الجسد ما يؤذيه، وقد يتأخر حكمها، لكنه لا يضيع.

فالإعلام، بوصفه «سلطة رابعة»، لا يستمد مشروعيته من صخبه ولا من قربه من مراكز النفوذ، بل من صدقيته. فإذا انحرف إلى التزييف أو الاستقطاب، فقد معناه، وصار عبئاً على المجال العام بدل أن يكون رافعةً لوعيه.

ومع ذلك، تبقى المصداقية ممكنة، لا كحلم طوباوي، بل كممارسة يومية شجاعة: أن يفضّل الصحافي بطء التحقّق على سرعة السبق، وأن يخسر خبراً ولا يخسر الحقيقة، وأن يعتذر حين يخطئ، لأن الاعتذار اعتراف بإنسانية المهنة لا انتقاص منها. فالكلمة، مهما بدت صغيرة، تترك أثراً في نسيج المجتمع، ومسؤولية الإعلامي ليست نقل ما يحدث فحسب، بل حماية المعنى من الابتذال.

المصداقية ليست فضيلة إضافية، بل شرطاً لسلامة المجال العام. إنها الخيط الرفيع الذي يصل بين ضمير الفرد ووجدان الجماعة. وإذا تكاثرت الظلال، تبقى مسؤولية الشاهد أن يمسك بذلك الخيط، ولو ارتجفت يداه؛ فالمجتمعات لا تنهار بالأكاذيب الكبرى وحدها، بل بالصمت الصغير عن الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى