تشكيل

قراءة في السطح التصويري للفنان كريم السعدون

أميرة ناجي

حين يصبح الفنُّ قادراً على التقاط ما تعجز اللغة عن قوله تتحول اللوحة إلى مرآةٍ خفية لوجع الإنسان وأسئلته الكبرى. وهذا ما يحدث تماماً في لوحة الفنان كريم السعدون: حيث لا يبدو العمل مجرد تكوينات تشكيلية أو رؤوس بشرية متكررة بل عوالم إنسانية مثقلة بالصمت والقلق والذاكرة. إنها لوحة تجعل المتلقي يشعر أنه أمام أرواح خرجت من المدن المتعبة ومن الأزمنة القاسية ومن ذلك التعب الداخلي الذي يرافق الإنسان المعاصر وهو يحاول النجاة من الضجيج والخسارات والتحولات العنيفة.

«كلُّ صورةٍ هي أثرٌ لما لم نستطع قوله بالكلمات» (جيرهارد ريشتر).

تبدو هذه المقولة مفتاحاً حقيقياً لفهم لوحة كريم السعدون لأن أعماله لا تعتمد على الحكاية المباشرة أو الوصف الواقعي بل تذهب إلى ما هو أعمق إلى ذلك الجزء الصامت داخل الإنسان.

فالفنان لا يرسم ملامح مكتملة وإنما يترك للخطوط والألوان والانفعالات مهمة التعبير عن الخوف والعزلة والقلق والبحث المستمر عن المعنى.

ولهذا يشعر المتلقي أن هذه الرؤوس ليست غريبة عنه، بل تشبهه بطريقة مؤلمة وغامضة في الوقت نفسه.

يعتمد كريم سعدون على بناء بصري شديد الاختزال لكنه غني بالدلالات.

فالوجوه مرسومة بخطوط سريعة ومتحررة أحياناً تبدو طفولية لكنها تمتلك وعياً عميقاً بالتكوين والتعبير.

وهذا ما يجعل المتلقي يشعر بأن اللوحة ليست معنية بإظهار الجمال الكلاسيكي بل معنية بكشف ضعف الإنسان وتعبه الداخلي.

الرؤوس هنا ممدودة ناقصة أو مطموسة التفاصيل. العين أحياناً تختفي والفم يتحول إلى إشارة صغيرة والملامح تكاد تكون محذوفة وكأن الفنان يريد أن يقول إن الإنسان في هذا العصر فقد شيئاً من هويته أو أن كثرة الألم جعلت الوجوه متشابهة في حزنها. أما اللون فهو أحد أكثر العناصر قو ةً في هذا العمل. إذ يستخدم الفنان اللون كطاقة نفسية وانفعالية فنرى الأحمر وكأنه أثر جرحٍ داخل والأزرق يأتي أحياناً بارداً مثل عزلة طويلة بينما يظهر الأصفر كضوءٍ يحاول النجاة وسط هذا الركام البصري.

اللون عند كريم سعدون لا يستقر بل يتحرك ويشتبك ويتداخل بعنفٍ أحياناً وهذا يمنح اللوحات توتراً بصرياً واضحاً.

حتى المساحات البيضاء لا تبدو حيادية بل تشارك في صناعة الفراغ النفسي الذي يحيط بالشخصيات.

ومن الناحية التقنية تبدو التجربة قريبة من التعبيرية الحديثة حيث يعتمد الفنان على الطبقات اللونية والخدوش والمساحات غير المكتملة والخطوط الحرة التي تمنح العمل إحساساً بالعفوية والصدق.

إنه لا يبحث عن الكمال الأكاديمي بل عن الأثر الإنساني.

ولهذا تبدو اللوحة وكأنها كُتبت أكثر مما رُسمت وكأن كل رأس هو اعترافٌ بصري أو سيرة مختصرة لإنسان مجهول.

كما يمكن ملاحظة حضور واضح لروح التجريد داخل اللوحة فالفنان لا يقدّم شكلاً واقعياً مكتمل البناء بل يترك مساحة واسعة للتأويل.

وهنا تكمن قوة التجربة لأن المتلقي يشارك في إكمال المعنى ويشعر أن هذه الوجوه تعرفه بطريقة غامضة.

الرؤوس المتكرّرة داخل اللوحة ليست تكراراً شكلياً بل إيقاعٌ بصري وفلسفي.

إنها تشبه الحشود التي نراها كل يوم بشرٌ يمشون بصمت يحمل كل واحد منهم عالماً من التعب والأسئلة، لكن أحداً لا يلتفت إليهم حقاً.

ولهذا يبدو العمل وكأنه احتجاج هادئ ضد تآكل الإنسان وسط عالم سريع وقاسٍ.

وقد نجح الفنان في ربط الشكل الإنساني بالحالة النفسية والاجتماعية من دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة. فهو لا يرسم الحرب مثلاً، لكنه يرسم آثارها داخل الروح. ولا يرسم الخوف بصورة صريحة، لكنه يجعل المتلقي يشعر به في اهتزاز الخطوط، وفي ارتباك الملامح وفي تلك الرؤوس التي تبدو وكأنها تبحث عن مكانٍ آمن داخل اللوحة.

إن هذه اللوحة تنتمي إلى الفن الذي يشتغل على الداخل الإنساني أكثر من اشتغاله على الواقع الخارجي.

ولهذا فإن المتلقي لا يخرج من هذا السطح بانطباع بصري فقط، بل بإحساسٍ ثقيل يشبه التأمل الطويل في مصير الإنسان.

وربما تكمن أهمية لوحة كريم السعدون في أنها لا تحاول إبهار العين بقدر ما تحاول إيقاظ الشعور.

إنها لوحة تقول إن الفن طريقة لفهم الإنسان وكشف تعبه الداخلي والدفاع عن صوته المختنق وسط هذا العالم الصاخب.

لهذا تبدو تلك الرؤوس المعلقة داخل اللوحة وكأنها نحن أو أجزاء منا.

رؤوسٌ تحمل ذاكرة المدن وقلق الأيام وخوف الإنسان من أن يتحول مع الوقت إلى مجرد ظلٍّ عابر.

وفي النهاية لا يرسم كريم سعدون وجوهاً بقدر ما يرسم ما تبقّى من الروح.

فنانة تشكيلية عراقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى