«الوليمة الزرقاء».. مزامير الزرقة في رحم الأشياء
هناء ميكو

صدر حديثاً عن دار النهضة العربية في بيروت كتاب «الوليمة الزرقاء: مختارات شعرية شاملة» للشاعر والروائي أمين صالح، اختارها وقدّم لها محمود هدايت، كاتبٌ وسينمائيٌّ من بلاد الرافدين، يغرّد خارج السرب، أَوْحَدٌ في رؤيته وآرائه ومنجزه الإبداعي.
يدٌ في يد، روحٌ بالروح، فكرٌ بالفكر؛ هكذا يتآزر مع مبدع غلاف الكتاب، الفنان التشكيلي والنحّات العراقي كريم سعدون، في حوارٍ بصريّ وفكريّ تتعانق فيه الكلمة مع الكتلة، والخيال مع المادة، ليكتمل الأثر الإبداعي في صيغةٍ واحدة تتقاسمها رؤيتان استثنائيتان.
جاء الكتاب كما لو أنّه برزخٌ إبداعيٌّ تلتقي فيه لوحةُ السماء بمدى البحر. صاغ الشاعر البحريني أمين صالح هذا الفضاء امتداداً شعريّاً شاملاً، تنفتح فيه اللغة على عوالم خيالٍ لا تنتهي، فتزرع الزرقة في الوعي أداةً للتأمل العميق، وتحصد من خلالها الرمزية الفلسفية وأبعاد التجربة الإنسانية بكل تجلياتها. وتنفتح الوليمة على القصيدة نفسها، فتغمر القارئ بمأدبةٍ من الصور الإبداعية والأفكار، حيث الكلمات قوتٌ للروح، وتتسع دوائر التأويل لتحتضن أعمار البشر ومشاعرهم ومخاوفهم. ويمتد هذا الأفق إلى البرزخ الكوني الذي يلتقي فيه البحر بالسماء، فتفيض الزرقة بطاقة التأمل، وتجمع الوليمة روح الشاعر بالامتداد اللانهائي للوجود، في احتفاءٍ شعريّ يلامس أسرار الكينونة.
ومن هنا تنهض الأسئلة: أيُّ سرٍّ تختزنه الزرقة حين تتحول من لونٍ إلى فضاءٍ للروح؟ هل الوليمة دعوةٌ إلى اقتسام المعنى أم إلى البحث عن المعنى الغائب؟ كيف تصوغ اللغة عالماً يتجاوز حدودها الأولى؟ أين يبدأ البحر، وأين تنتهي السماء في هذا البرزخ الشعري؟ ما الأثر الذي تتركه القصيدة في ذاكرة القارئ؟
وتتسع الأسئلة مع خواتم بصرية أبدعها عباس يوسف، إمضاءً غرافيكيّاً تعبيريّاً ملهماً يرافق العمل، ويكشف قيمة التفاعل الخلّاق بين الشعر والتشكيل. فالأثر البصري يفتح عتبةً إيستيطيقية موازية للنص، تتجاور فيها العلامة البصرية مع العلامة اللغوية، ويصبح الحوار بين الصورة والكلمة مساراً آخر للتأويل.

الشاعر والروائي أمين صالح
في «الوليمة الزرقاء» يتجلّى الشعر سديماً من طاقةٍ كاشفة، تنبض بفنّانية سوريالية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والكون. الزرقة أفقٌ رمزيّ متعدد الجهات؛ عموديٌّ، أفقيٌّ، مائلٌ، ينتشر في فضاءٍ حر، تلتقي عنده السماء بالبحر، ويغتسل المرئي بإشراقٍ باطني، فتتسع القصيدة لمدارات التأويل. تنهض شعرية النص على كثافة الصورة، وانزياح اللغة، وتوالد المجاز، فتغادر الكلمات مرجعياتها المباشرة إلى فضاءٍ إيحائي تتكاثر فيه الدلالات، ويشارك القارئ في تشييد المعنى عبر حركةٍ دائمة بين العلامة ورنينها الرمزي.
والطبيعة تفيض بخيالٍ متّقد، تتزاوج فيه السوريالية مع الأسطورة داخل أفقٍ كوسموسي رحب، تستدعيه طفولة الحلم، وتمنحه هيبةُ الجسد الواقعي حضورًا محسوسًا، فتتعالق الرؤى، وتتقاطع الأزمنة، وتتآلف العناصر في مشهدٍ يوسّع حدود الإدراك.
وتلوح في النصوص شعريةٌ سردية، كأن خيطاً حكائيّاً خافتاً يعبر القصائد في هدوء، يمرّ بين المشاهد، ويوقظ ذاكرة الصورة، ثم يتركها تواصل رحلتها. الحكاية تظل في تخوم الإيحاء، بينما تستأثر الصورة بنبض النص، وتدفعه نحو أفقٍ رؤيويّ تتجاور فيه الرؤى أكثر مما تتعاقب الأحداث.

الكاتب والسينمائي محمود هدايت
تستحضر هذه الكتابة وهج الشعر الرؤيوي العربي المعاصر، وتلامس، في بعض مفاصلها، أصداء تجارب مجايليه، وديع سعادة وأنسي الحاج، مع احتفاظ أمين صالح ببصمته الخاصة؛ بصمةٍ تنحتها كثافة الرمز، والسريالية، والعناق الخلّاق بين اليومي والأسطوري.
كل قصيدة تفتح نافذةً على حلمٍ يتوالد من حلم، وعلى مشهدٍ يلد مشهداً، داخل جوهرٍ نثريّ سرياليّ رؤيويّ، تستجيب فيه اللغة لإيقاع التداعي الحر، ويعبر الحلم بين الكلمات، ويترك الانزياح اللغوي أثره في طبقات المعنى، فتتلامس الأسئلة الوجودية والقلق السياسي داخل نسيجٍ شعريّ واحد. وتنساب في النص موسيقى داخلية تنبع من تناغم المفردات، وتعالق الألوان، وحركة الخيال، فتمنح القصيدة نفسًا تأمليًّا يلامس أسئلة الوجود والجمال والحرية.
«الوليمة الزرقاء» احتفاءٌ بالشعر، ومنافذُ مشرعةٌ للروح نحو المطلق، وزرقةٌ تتخذ هيئة مائدةٍ للمخيّلة، وكلمةٌ تشعّ ضوءاً، وقصيدةٌ تتوالد منها الرؤى مع كل قراءة، حيث يتعالق البصري والشعري في نسيجٍ إيستيطيقي يوقظ دهشة التلقي، ويمنح الإبداع فضاءً رحباً للحوار بين القصيدة والصورة، وبين الحلم والوجود.
تضاجع النصوص ذات الحسّ السالفادوري الدالي رحمَ الأشياء حين تخلع أسماءها الأولى؛ فترى الماء «يرشح من كل إصبع، وله رائحة أخيلية تخدّر الحواس»، وتسمع الخيال يثقب جسد النهر بإبرة، فتنساب الأسماك من سرّه، كأن الطبيعة تفتح أبوابها لمن يصغي إلى لغتها المستترة. وتُروَّض العقارب، وتُخاطب الجداول بلسانها، وتحمل الفراشات أثر الفردوس؛ عالمٌ تتجاور فيه الكائنات خارج خرائطها المعتادة، وتستعيد الموجودات طفولتها الأولى. هكذا تتوالد المشاهد من برق المخيلة، مروراً بتلاقي الأسطوري واليومي، وصولاً إلى تنفّس اللغة في دهشة الخلق.
ناقدة وكاتبة وفنانة تشكيلية من المغرب




