آراء و مقالات

“الأم” لـ مكسيم غوركي.. ولادة الوعي من رحم القهر

 عبد الكريم البليخ

تُعد رواية «الأم» للكاتب الروسي مكسيم غوركي واحدة من أشهر الأعمال الأدبية التي تجاوزت حدود الحكاية الروائية لتصبح شهادة إنسانية واجتماعية على مرحلة مضطربة من تاريخ روسيا.

في هذه الرواية لا يكتفي غوركي بسرد حياة أسرة فقيرة تعيش تحت وطأة البؤس والقهر، بل يفتح نافذة واسعة على مجتمع كامل كانت طبقاته الفقيرة تعاني الاستغلال والخوف والعنف، بينما بدأت في أعماقه تتشكل بذور الوعي والتمرد والرغبة في حياة أكثر عدلًا وكرامة.

تبدأ الرواية من بيت يبدو صغيراً في مساحته، لكنه يحمل داخله صورة مكثفة عن مجتمع بأكمله. الأب ميخائيل فلاسوف عامل قاسٍ، غليظ الطباع، أنهكته حياة المصنع والفقر، فتحول غضبه إلى عنف يمارسه داخل أسرته. كان سيئ المعاملة لزوجته بيلاجيا نيلوفنا، يخيفها ويهينها، كما كانت علاقته بابنه بافل مشحونة بالقسوة والتوتر. وهكذا يصبح البيت، الذي يُفترض أن يكون مكاناً للأمان، امتداداً آخر للقهر الذي يعيشه الإنسان خارج جدرانه.

غير أن غوركي لا يقدم ميخائيل بوصفه شريراً مجرداً، بقدر ما يجعله نتاجاً لبيئة اجتماعية قاسية. فالعامل الذي يُسحق طوال يومه في المصنع يعود إلى منزله محملاً بالمرارة، عاجزاً عن مواجهة مصدر بؤسه الحقيقي، فيصبّ غضبه على الأضعف منه. وهنا تكمن إحدى أهم أفكار الرواية: القهر لا يتوقف عند ضحيته الأولى، بل ينتقل من إنسان إلى آخر، ومن المصنع إلى البيت، ومن الأب إلى الزوجة والأبناء.

بعد موت ميخائيل، يبدأ التحول الحقيقي في حياة الأسرة. ويبرز الابن بافل مختلفاً عن أبيه؛ فهو لا يريد أن يكرر حياة الخضوع والعنف والإدمان، بل يبدأ بالقراءة والتفكير، وينخرط مع مجموعة من الشباب في نشاط سياسي وفكري يسعى إلى توعية العمال بحقوقهم وتغيير واقعهم.

في البداية، تنظر الأم إلى عالم ابنها بخوف شديد. لقد عاشت عمرها وهي تتعلم الصمت والطاعة وتجنب الخطر، لذلك تبدو لها أفكار بافل ورفاقه طريقاً قد يقوده إلى السجن أو الموت. لكنها، شيئاً فشيئاً، تبدأ في الاستماع والفهم. ترى في هؤلاء الشباب شيئاً لم تعرفه من قبل: الاحترام، والتضامن، والإيمان بالإنسان.

وهنا تتحول بيلاجيا من امرأة خائفة منكفئة على نفسها إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في الرواية.

إنها لا تتغير فجأة، بل ينمو وعيها ببطء وصدق؛ من أم تخشى على ابنها إلى امرأة تفهم لماذا يخاطر ابنها بحريته، ثم إلى إنسانة تؤمن بالقضية التي يدافع عنها.

وتبلغ الرواية ذروتها عندما يصبح بافل ورفاقه عرضة للملاحقة والاعتقال والمحاكمة. لكن السجن لا يوقف الأفكار، بل يدفع الأم إلى أن تحمل جزءاً من الرسالة بنفسها.

 تبدأ بتوزيع المنشورات ونقل الأفكار، وتخرج من حدود بيتها الضيق إلى فضاء المجتمع الأوسع. وهكذا يصبح عنوان الرواية «الأم» أعمق من دلالته العائلية؛ فالأم هنا تتحول إلى رمز للإنسان البسيط الذي قد يبدأ حياته بعيداً عن السياسة والفكر، ثم تدفعه التجربة والألم إلى اكتشاف ذاته وحقوقه والعالم من حوله.

ومن خلال المصنع، والبيوت الفقيرة، والشوارع، والاجتماعات السرية، والسجون والمحاكم، يرسم غوركي واقعاً اجتماعياً مؤسياً عاشته الطبقة العاملة الروسية: ساعات العمل القاسية، والأجور المتدنية، والفقر، والإدمان، والعنف الأسري، والخوف من السلطة. لكنه لا يجعل الرواية مرثية للبؤس وحده؛ ففي قلب هذا الظلام يزرع شخصيات تحاول أن تفهم وتغيّر وتقاوم.

وهذا البعد حاضر أيضاً في كثير من أعمال غوركي الأخرى، مثل «طفولتي»،

 و«بين الناس»، و«جامعاتي»، و«الحضيض»، حيث ظل الإنسان المهمّش والفقير والمنكسر حاضراً بقوة.

 لقد عرف غوركي هذا العالم عن قرب، وعاش طفولة شديدة القسوة، وتنقل بين أعمال متواضعة، واختبر الفقر والتشرد؛ لذلك جاءت كتاباته مشبعة بتجارب الحياة الحقيقية، لا بالمراقبة من بعيد.

تكمن عظمة «الأم» في أنها لا تحكي فقط قصة ثوريين يواجهون نظاماً سياسياً، بل قصة إنسان يستيقظ من الخوف. فبيلاجيا في بداية الرواية امرأة تكاد تعتذر عن وجودها، وفي نهايتها تصبح صاحبة صوت وموقف. وبين البدايتين رحلة طويلة من الألم إلى المعرفة، ومن الصمت إلى الكلام، ومن الخوف على الابن إلى الإيمان بما يؤمن به.

وبعد أكثر من قرن على صدورها، ما تزال الرواية قادرة على إثارة سؤال يتجاوز زمانها ومكانها: ماذا يحدث للإنسان حين يعيش طويلاً تحت القهر؟ قد يستسلم، وقد يعيد إنتاج القسوة كما فعل ميخائيل فلاسوف، وقد يختار طريقاً آخر كما فعل بافل، وقد يولد وعيه متأخراً لكنه عميق، كما حدث للأم.

ولهذا بقيت «الأم» واحدة من أشهر روايات غوركي؛ لأنها تقول، في جوهرها، إن الإنسان مهما بدا بسيطاً أو خائفاً أو بعيداً عن قضايا مجتمعه، يمكن للحظة وعي واحدة أن تعيد تشكيل حياته كلها.

كاتب وصحافي سوري

الأديب والناشط السياسي مكسيم غوركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى