فوزي المعلوف .. قيثارة تعزف الشجن والحلم المهجري
د. رشا غانم

امتلك فصاحة اللغة، وكان ملماً بقواعد الشعر، عندما أبدع في صنع الحرف كأنه قيثارة تعزف الشجن والحلم على هوى الروح، ابتكر التجديد الطموح، وبرع في وضع أشعار منطلقة القوافي، وفي إتباع الأسطر الطوال بأسطر قصار، واستنبط الوصف الرائق، وأحدث التفكير القويّ الوثاب، إن لنبوغه تضيفه وأدبه مقومات مستمدة من البيئة الطبيعية والاجتماعية، إضافة إلى الخواص الوراثية.
فوزي المعلوف، شاعر لبناني من أدباء المهجر الجنوبي، ولد في زحلة (1899م)، إذ يُنسب لأسرة عريقة، حيث والده عيسى المعلوف يعد مؤرخاً في ثلاثة مجامع علمية، ووالدته عفيفة كريمة إبراهيم باشا، احتفظت بعدة رسائل من فوزي بقيت بحوزتها (45) سنة حتى وفاتها، وأخواه شفيق ورياض وهما شاعران مجيدان، والأول صاحب «ملحمة عبقر».
تعلّم في الكلية الشرقية بزحلة، ثم انتقل (1913م) إلى بيروت؛ ليتابع دراسته في مدرسة الفرير، واشتغل بالتجارة متنقلاً بين لبنان ودمشق، وفي الوقت نفسه كان يكتب في الصحف اللبنانية والسورية والمصرية.
هاجر إلى البرازيل (1921م) قاصداً أخواله، الذين أسهموا في إثراء الصحافة العربية في أمريكا الجنوبية، ومارس معهم أعمالاً حرة في التجارة، ولم ينصرف عن الأدب، فأنشأ المنتدى الزحلي سنة (1922م). كان إنتاجه الأدبي مزيجاً زاخراً من عدة ثقافات متنوعة، فأتقن اللغتين البرتغالية والإسبانية، إضافة إلى العربية والفرنسية، وكتب في الصحافة، وحاضر في الأندية الأدبية، ونشر إبداعه الشعري مترجماً في الصحف الأجنبية.
له مؤلفات نثرية منها: ابن حامد، سقوط غرناطة، الشرق والغرب، على ضفاف النيل، العواطف، الفتاة العربية، ومن إبداعه الشعري: تاؤهات الروح، شعلة العذاب، على بساط الريح، الليل والمصباح، قلب السماء، أغاني الأندلس. وتأثر فيها بالموشحات الأندلسية في عذوبتها ورقتها، وتنوع الأوزان والقوافي بها، وله مجموعة شعره الوطني والفكاهي، وقد صدرت أعماله الكاملة في بيروت عام (2004م).
تأثر فوزي بفلسفة أبي العلاء المعري، ومعاني رباعيات الخيام، فيما يخص البعد عن مباهج الدنيا، فالموت آتٍ لا محالة، حيث لا شيء فيها إلا مظاهر خادعة فالموت فلسفة حياة، وهو جزء من الحياة، وليس مناقضاً لها، كما يمثل لديه جوهر النفس الإنسانية يقول:
إيه يا موت لن تمسّ خلودي
فاقض ما شئت وخذ لك تقضي
وإذا كنت مالكاً أمر روحي
مثلما أنت مالك أمر نبضي

صاحب الرومانسية الحزينة كأقرانه من الشعراء الرومنطيقيين، فقد اتخذ من أحزانه وغربته وحنينه وعذاباته أداة للتطهير من آفات الحياة. عاش متشائماً في لمس آهات الروح وآلامها عند الناس، وعكس شعره تقلب النفس المعذبة وشجن القلب الحزين؛ إذ نتج من صدمات الواقع له انسحابه من الحياة ليستعيد ذاته. ويمكن القول إن العامل الأساسي الذي حداه إلى اليأس كان مرضه، إضافة إلى المثالية المفرطة، يقول:
مرحباً بالعذاب يلتهم العين
التهاماً وينهش القلب نهشاً
مشبعاً نهمه إلى الدم حرى
ناقماً غلّة إلى الدم عطشى
ويناجي الطبيعة الحزينة فيقول:
نظرت إليّ وردة وقالت:
أنت مثلي في الكون لنكون كاره
تناول فوزي أغراضاً شعرية مختلفة منها: الوصف والطبيعة والرثاء وحب الوطن، وكان وصّافاً من الدرجة الأولى، وشمل الوصف معظم قصائده، وله غزل عذري رقيق في المرأة لا يتجاوز حدود الإحساسات الدفينة، فالحبيب لا يبوح لحبيبه بما يعانيه، يقول:
تبوح لها بالحب عيناي إنما
لساني يستحي فلا يتكلّم
وأرقب عينيها عسى بهما أرى
شرارة حب صحّ ما أتوهم
يعرف أسرار اللغة في شعره، وكيف ينطلق من التقليد إلى التجديد، وفي قصائده دعوة إلى التحرر من القيود التي تشد الإنسان إلى الاستعباد. وعبر قصائد تبوح بوجدانه وآماله، فجُدّ أبيات شعره كأنها جراح تسيل شجناً في الحنين إلى نشأته الأولى في زحلة يقول:
قلبي يذوب جوىً لذكراها
في أضلعي ومدامعي تجري
وفي حب الوطن يقول:
مهما يَجُرْ وطني عليّ وأهلُه
فالأهل أهلي والبلاد بلادي
استطاع أن يحفظ مكانته في نهضة الشعر، وهو رائد اتجاه مميز في الشعر العربي؛ وذلك لعمق تجربته الشعرية، وحداثة فكره، ورحابة ثقافته، وكان لموهبته البديعة أثر بالغ في شعراء المهجر الجنوبي، الذين انطلقوا يحدوهم الأمل في تأسيس رابطة أدبية جديدة بمدينة سان باولو سميت بـ«العصبة الأندلسية» (1932م)، وهم: الشاعر ميشال معلوف رئيساً، وداود شكور نائباً وخلفهما بعد ذلك رشيد الخوري، ثم رأسها من بعده شفيق المعلوف، ومن شعرائها: رياض المعلوف، وشكر الله الجر، ونعمة قازان، وإلياس فرحات وغيرهم. وارتبط شعراؤها بالتراث العربي وبألفاظه الجزلة، فزاوجوا بين التراث والتجديد. أسس هؤلاء الشعراء مجلة «العصبة» باسم الرابطة، والتي تولى رئاسة تحريرها حبيب مسعود، ونشرت مجلة العصبة مسرحيته «سقوط غرناطة» (1952م).
«على بساط الريح» ملحمة شعرية اتسعت لفضاءات كثيرة، وقد نشرت (1926م) تحت عنوان «شاعر في طيارة»، تتلاحم فيها آهات الغربة ولوعة الحنين، حيث ينطلق متأملاً هذا الكون الفسيح، وتزداد حدة مشاعره، ويترنح في مأساة قلبه، ويندفع إلى العزلة، ويرحل في طائرة تتصاعد رائدة في الفضاء الرحيب، ويتخيل، ويغوص متعمقاً سرّ الإنساني، والحياة. وينظر ويستجلي عالم الفضاء والروح، إذ وصف فيها جمال الشرق الروحي مقارناً بمادية الغرب، يتمنى أن يظل معلقاً في الفضاء بعيداً عن الأرض بآلامها.
وقد تُرجمت إلى سبع لغات وترجمها الشاعر فرانسيسكو فيلاسباسا إلى الإسبانية، وقد قال عنها في المقدمة: «إنها نفحة من نفحات الجمال الخالد».
من قصيدة «بساط الريح» يقول:
وعذارى الأرواح تنشد من بُعد
بصوت الله في نبراته
رافقته قيثارة الحب فأنسل
أنين الأوتار في نغماته
وينطلق فوزي مع خياله الخلاق والملحمي في تصوير أبعاد رؤيته، حيث لا مدى يُعدّ أو ينتهي. حتى يناجي الشاعر قلبه، رفيق وحدته وغربته في رحلته السماوية في نفس القصيدة، يقول:
يا يراعي رافقت كل حياتي
فاروِ عني ما كان حقاً وصدقاً
إن لم ألق مثل صمتك صمتاً
حوّلته عرائس الشعر نطقاً
توفي في المهجر، وهو في ريعان شبابه، إثر عملية جراحية (1930م)، ورثاه الشاعر علي محمود طه في ديوانه (الملاح التائه) بقصيدة «قبر شاعر»، استوحاها من سيرة «المعلوف»، ومن تراثه الشعري يقول:
لكنه الشرق وفي حبه ينأى
بنا الشوق وتدنو الديار
كما قال عنه طه حسين: «مرّ فوزي مروراً سريعاً، ولكنه نزل في النفوس صدى يتردد منها حلواً لاذعاً محرقاً معاً».
«فوزي المعلوف» تفوق بخياله الخصب، ودلّ به على قدرة الشاعر العربي على العطاء الشعري، وبعد من أكثر الشعراء مادة وأنقاهم لغة وأكثرهم ميلاً إلى التجديد، فالشاعر لديه رسالة تحمل مشاعر الخير للعالم كله.
مدرس الأدب والنقد بالجامعة الأمريكية بمصر




