إدوارد سعيد يقاوم الهيمنة الترامبية الجديدة
علي حسن الفواز

لم تزل أطروحات إدوارد سعيد مثار جدل ونقاش فاعليَن، ليس لطبيعة ما تُثيره من أسئلة ومن إجراءات نقدية، ولخطورة المواقف النقدية التي كان يجاهر بها بوجه المؤسسة الإمبريالية فحسب، بل لأنه بدا أكثر تمثيلاً لأنموذج “المثقف النقدي” الذي جعل من زمنه الشخصي زمناً ثقافياً فاعلاً وإجرائياً في سياق مناقشات مفتوحة لقضايا السياسة والحقوق والعلاقة مع الآخر، وبما يعزّز فاعلية خطابه في أن يكون نقداً واضحاً وصاخباً وجزءاً من حفريات معرفية تخص تمثلات الآخر، بوصفه آخرَ متعالياً، وآخر استعمارياً، وآخر “تاريخياً”.
صحيح أن العناية الأكاديمية بأطروحات سعيد جعلته نظيراً بمشاغل الدراسات الثقافية، بوصفها ممارسة أكاديمية أيضاً، لكن حقول الدرس التي اشتغل عليها سعيد شكّلت منعطفاً مهماً، في تمثيل هذا الدرس في الفضاء الأكاديمي الأميركي والغربي، وفي التعاطي مع قضايا الصراع الإنساني، في تمثيله النضالي والطبقي والأيديولوجي، وحتى الثوري، وكذلك في تمثيل علاقته بالسلطة وبالآخر، وبالحديث الثقافي عن “ما بعد الكولونيالية” المخادعة، وعمّا بعد البنيوية بوصفها شغفا بتفكيك المركز الميتافيزيقي للهيمنة، وللأنموذج الذي سوقه المستشرقون “الإمبرياليون” مثل برنارد لويس وفوكوياما وهنتغتون وبرنار هنري ليفي، الذين خلطوا بين الأكاديمي والسياسي، وبين “الخديعة الثقافية” كما سمّى بعضهم جيل ديلوز.
مراجعة مفهوم “السلطة”
حيوية إدوارد سعيد فتحت أفقاً للسؤال الثقافي النقدي، في الوعي بمدى أهمية الدراسات الثقافية، وبجدية القراءات التي تُعنى بتشكلات العالم ثقافياً في مرحلة ما بعد الاستعمار، لاسيما فاعلية تمثيلها للمعرفي، وللسياسي الذي يخص مرجعيات الدراسات الثقافية، حيث الهوية والأمة والسلطة، وحيث تمثل الآخر، وحيث علاقة ذلك بأطروحات الاستشراق، وبعلاقة “الثقافة بالإمبريالية” وهي عناوين لكتب سعيد، والتي تحولت إلى حقول ألغام معرفية، ومناطق ساخنة للمساءلة والمراجعة والمراقبة.
ما أورثه الاستشراق لنا من فخاخ، هو التورط المعرفي بالبحث عن شرقٍ آخر، وعن تمثيلات أنثربولوجية وتاريخية تستدعي مزيداً من “الحفر المنهجي” على طريقة فوكو، لمواجهة عنف السيطرة والمراقبة، وتوحش الاستعمار العسكري والسياسي، وإعادة صياغة ثنائية “المعرفة والسلطة”، ولربط فكرة الشرق بمشاريع كبرى، فضلاً عن تكريس الصورة الذهنية النمطية عن الشرق، لأن “الغرب الاستعماري” لم يتحرّر بعد من عقدة “البطل الأخير” ولا من أوهام هيغل حول نهاية التاريخ، والنزعة المركزية للسلطة.
كل هذا دفع سعيد لمراجعة مفهوم “السلطة” من خلال ما تنتجه من خطابات، ومن أعراف تضمر التباسا خفيا عن الأنموذج المتعالي الذي تمثله روح نابليون، بوصفها “تاريخا على حصان” كما وصفه هيغل، أو بوصفه نسقا لتمثيل المعرفة المتعالية، معرفة القوة والمؤسسة والتضليل والتغريب، والتي تحولت إلى “قوة غاشمة” مع تضخم مؤسسة الرعب، لاسيما بعد “إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي” في اليابان، وفي تغويل الحرب الباردة، وصولا إلى بروز البراديغم الشعبوي، للرئيس/ البطل الهيغلي، وللمؤسسة الطاغية، وللمعسكر والأيديولوجي والسوق والبنك، وغيرها من أدوات السلطة، وصولا إلى بروز جماعات اليمين المتطرف، والحديث عن الهوية النقية كتمثيل أيديولوجي وعصابي للهوية القاتلة.
رغم حديث البعض عن تمثيل “الانغماس الأيديولوجي” في مشروع إدوارد سعيد، بوصفه “تورطا أيديولوجيا” أو اتهاما ثقافيا أو تحيزا سياسيا، إلا أنه كان أكثر ثورية في التعاطي مع قضايا إشكالية، لاسيما مواجهة “الوعي الزائف”، وعلاقة الهوية بالدوغمائية، وبالسلطة الثقافية التي حاول الغرب تسويقها، عبر تمثلات ثقافية أو أيديولوجية بوصفها تمثلات خطابية لسلطات المركز والخطاب والاحتواء، حيث كان كتابه الأيقوني “الاستشراق” هو المجال النقدي الأكثر تمثيلا لتلك الإشكالية، فنقد الدونية التي صنعها “الغرب الاستعماري” عن الهوية والذات والتاريخ، وعلى نحوٍ تكرست معه “السيطرة والاحتلال” بوصفها إجراءات تهدف إلى “غربنة الشرق” عبر السيطرة على الأرض والثروة وعلى اللغة وعلى “تشريق الشرق” ذاته كما يقول سعيد.
لقد تعاطى سعيد مع محنة “التشريق” عبر الوعي النقدي بها، وعبر الشك المنهجي بإجراءاتها، لاسيما وأنه “الأكاديمي” الأميركي الحاذق، والذي يعرف أن السلطة تنتج “المعرفة” التي تعزز من خلالها الهيمنة، حيث تم الترويج للآخر الحضاري والقوي والعنيف من خلال “الأنموذج الصهيوني” عبر حرب 1967، وعبر حرب احتلال بيروت، وتدمير الداخل الفلسطيني عبر تدمير السرديات الوطنية، وتقليص الجغرافيا الوطنية، وفرض سلطة الخطاب عبر المنبر، وعبر مؤسسات العمل والتعليم والإعلام والسياسة، والعسكرة، وعبر شيوع “أيديولوجية الليبرالية الجديدة التي تُعد من أبرز أسباب التراجع الاجتماعي، بعدما أسهمت في تقلص القوة الشرائية، وتراجع جودة التعليم، وإضعاف منظومات الحماية الاجتماعية، فضلًا عن تفاقم الأزمات البيئية” كما أورده الكاتبان جيرار ديمونيل ودومينيك ليفي في كتابهما “التحول الكبير” الصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة.
الشرق الترامبي
الشك الاستشراقي قد يكون مدخلاً للحديث عن أزمة علاقتنا بـ”الهيمنة الغربية” وبطبيعة المشروع السياسي الكبير الذي يربط إجراءاته بمواقف معينة، وبسياسات ليست بعيدة عن تمثلات الصراع، وعن تداعيات ما يحدث في “الشرق العربي” من تشظيات وتمزقات، فشل العقل العربي في التعاطي مع أسبابها، وهو ما وجد فيه إدوارد سعيد مجالاً للحديث عن أهمية المعرفة في سياقها الثقافي والأكاديمي، وكذلك في سياقها النقدي والخطابي، إذ وجد سعيد في غيابه الأثر الخطير في مواجهة هيمنة “المراكز الثقافية” التي تحولت إلى مؤسسات، وإلى منظمات دولية ترتبط بـ”اللوبي الصهيوني”، كما ترتبط من جهة أخرى بجماعات اليمين المتطرف، ورؤوس أموال كبرى، وصولا إلى أطروحات “الليبرالية الجديدة” وإلى تسويق حديث “الديانة الإبراهيمية” بوصفها الجينالوجي وليس التاريخي.
ما تركه سعيد من أثر ثقافي/ نقدي يكشف عن أزمة العقل الغربي، في تمثيله لمفاهيم التنوير والإصلاح والديمقراطية، وفي تقويض المركزية الأخلاقية لحقوق الإنسان، فما بات واضحا في الحديث عن “نهاية التاريخ” و”الإنسان الأخير” وعن “صدام الحضارات” لن يكون بعيدا عن الخطاب الذي يسوّقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس بوصفه الشخصي، بل بوصفه الأنموذج الأكثر انغماسا في الأيديولوجي وفي مشروع اليمين المحافظ، حيث التمركز حول مركزية الخطاب، ومركزية النظام الدولي، ومركزية المال، وحول موضوع “الشرق” بوصفه خط مواجهة مفتوحا مع الصين وروسيا، ونقطة جذب للاستثمارات الكبرى، في الجغرافيا، وفي الطاقة، وفي الهيمنة.
الشرق الترامبي أكثر خطورة من “شرق الرئيسين ريشارد نيكسون ورونالد ريغان” ليس لتغيّر الزمن السياسي، بل لتضخم العقل المؤسسي لليبرالية الجديدة، وصعود اليمين المحافظ في أميركا والغرب، وفي تضّخم الكيان الصهيوني على المستوى الجيوسياسي، وعلى المستوى المفهومي، في تمثيل العلاقات المعقدة مع الهوية والمكان والمتخيل السردي، وحتى مع الآخر الذي نظرت إليه المؤسسة الإسرائيلية بوصفه من “الأغيار”، وهي إشارة إلى “المختلف القاتل” وإلى الطرد والإقصاء، وعلى الطريقة “القشتالية” التي تعاطت مع “المورسكيين” خارج المكان الأندلسي.
هذه المعطيات هي التي جعلت من إعادة دراسة كتابي إدوارد سعيد “الاستشراق” و”الإمبريالية والثقافة” تكتسب أهمية كبيرة، على مستوى التمثيل النقدي للمواجهة، وتفعيل أدوات الحفر الثقافي، وكذلك على مستوى تمثيل الخطاب بوصفه مجالا نقديا، وتأسيسا لفعالية ثقافية تقوم على “القراءة الفاعلة” للآخر، في تمثيله الثقافي، وفي توسع حلقات الدرس التي تعنى بالتعرف على الوسائط والأدوات الثقافية، وكيفيات استعمالها في السيطرة، وفي التعاطي مع وظائفية النقد، بوصفه المناهجي المعارض، أو بوصفه جزءا من إجراءات “تحدي الأفكار والنظريات الغربية ونبراتها المتعالية والمهيمنة” كما قال هشام علي.
أهمية سعيد النقدية تكمن في قدرته على تفكيك الخطاب، وفي تمثيل أفق المغايرة بوصفها وعياً بأهمية المشروع النقدي، الخاص بنقد الاستشراق، ونقد الإمبريالية، من خلال نقد سردياته التي بدت اليوم أكثر رعباً، في استعادة المركزية القديمة، والإمبراطور القديم بنسخته الترامبية، والعدو العنصري بنسخته “الإسرائيلية” وعلى نحوٍ بدا فيه تدمير الجغرافيا أو قضمها محاولة في صياغة تشكلات ثقافية للخوف، والامتثال والاحتواء، مثلما بدا فيه قتل الآخر الأيديولوجي تكريسا للقتل الثقافي/ الوجودي، وشرعنة هذا القتل من التهجين الهوياتي، وتحوّل الصراع من أجل الحرية إلى نفي للمصير وإلى اغتراب ونوع من البؤس الثقافي، القرين ببؤس المكان وبؤس الأيديولوجيا وتشظي الهوية.
كاتب عراقي




