باليت المزمار

إصبع بين دفتي كتاب

ستار كاووش

قطعتُ بضعة شوارع وسط مدينة كوبنهاغن حتى وصلتُ إلى ساحة البلدية، وهناك التمعَ التمثال البرونزي للكاتب أندرسن، حيث يجلس باسترخاء وهو يعتمر قبعته الكبيرة. مضيتُ نحو التمثال المذهل، ووقفتُ أتأمّل وجهه الذي يحمل الكثير من الألفة والعاطفة. ثم تنقلتُ ببصري على التفاصيل، فرأيتُ كيف يمكن لطيّات الملابس أن تقول الكثير عن ترف التقنية وانسيابية اللمسات، وكيف تستطيع طريقة الجلسة أن تُفصح عن شخصية الكاتب الشهير.

هنا يمكن لكل محب للنحت وتفاصيله وقوة تأثيره أن يرى الطريقة الرائعة التي أنجز بها النحات هنري لوكو نيلسن هذا العمل سنة ١٩٦٥، كذلك يمكن الانتباه إلى المكان الذي وُضع فيه التمثال، حيث ينسجم شكل الكاتب مع المحيط.

حدائق تريفولي على يمين التمثال، وبناية البلدية على يساره، فيما الشارع الذي يحمل اسم الكاتب نفسه ليس بعيداً عن المكان. هنا رأيتُ كيف يمرُّ الناس مسرعين نحو مركز المدينة، لكن ما إن تصل خطاهم إلى نصب أندرسن حتى يتباطؤوا ويلقوا نظرة أو تحية أو حتى ابتسامة، وهذه الانتباهات تليق باسم الكاتب وما تركه من إرث عظيم.

مررتُ يدي على التمثال الذي ظهر البريق على بعض أجزائه بسبب اللمسات التي تركها الزائرون الذين ذهبوا وبقيت آثار أصابعهم. لا شيء أعظم من الفن الذي يقترب من الناس ويكون بينهم، وهذا التمثال الذي يبدو جالساً باسترخاء وسط زحام المدينة وبين ناسها وزائريها على السواء، أراده النحات قريباً منهم، لدرجة أن الناس الذين يمرون هنا يشعرون بأن أندرسن سيفتح الكتاب الذي يدس إصبعه بين دفتيه ويقرأ لهم إحدى قصصه الخيالية. تأملتُ ملامح وجهه المرحة، وجلستُ بمحاذاته، فبدا لي أكبر حجماً وتأثيراً، وتخيلتُ بأنه يقص عليَّ حكاياته التي لا تنتهي، وأحسستُ بأنه يميل برأسه نحوي مبتسماً، ثم يُعيد نظرته من جديد إلى حديقة تريفولي المجاورة، وكأنه يريد قول شيء ما، شيء يعود إلى تلك الأيام التي بدأ فيها عروضه المسرحية في الحدائق العامة.

ذكاء النحّات هنا يكمن في حركة التمثال غير المتوقعة، كذلك جلسة أندرسن التي قرَّبته من الناس الذين أحبّوه. قبعة مرتفعة ترمز لمكانة هذا الكاتب، وعصا يتكئ عليها بإحدى يديه بطريقة مترفة، ثم ملابسه الأنيقة التي تعيدنا إلى الاستعراضات الفنية التي كانت تُقام في كوبنهاغن. ورغم أن التمثال مستقر تماماً، لكنه أيضاً يمنح الحركة لكل المكان، بسبب حركة يديه واستدارة رأسه ومعطفه الطويل الذي ينسدل على حافة القاعدة. وقد تعمد النحات وضع قاعدة ثلاثية متدرجة للتمثال، وهي إشارة تؤكد مكانة الكاتب العظيم. التقنية مذهلة، وانحناءات الخطوط تقول الكثير، إمالة الحذاء قليلاً إلى الجانب، والتعبير الشاعري في ملامح الوجه، كلها أدت إلى شكل بدا فيه الكاتب كأنه في استراحة صغيرة في ساحة المدينة، قبل التوجه إلى عرض إحدى مسرحياته الشهيرة.

ما الذي يمكن أن يقوله النحّات أكثر من ذلك؟ فهو قد قدم لنا عملاً يمثل هذا الكاتب والفنان الذي بدأ من الصفر حتى صار واحداً من الشخصيات العظيمة وأديب الدنمارك الوطني الذي كان يتمتع بخيال مدهش اكتسبه من والده الذي كان يقرأ له قصص ألف ليلة وليلة حين كان صغيراً، ولم يكتفِ والده بذلك، بل بنى له مسرحاً صغيراً في البيت، مما منحه فرصة للمضي بخياله، وقام بصناعة الدمى الصغيرة المختلفة التي استخدمها في عروض الطفولة البعيدة تلك. ثم خطا خطوة صغيرة أخرى، حيث كان ينتظر مهرجانات العروض المسرحية التي تقام في مدينته أودنسَه، ويتطوع للترويج لعروضها ولصق الإعلانات، كي يحصل في النهاية على تذكرة مجانية تساعده على مشاهدة العروض من خلف الكواليس.

هكذا كبر الصبي هانز أندرسن، وكبر معه حبه للعروض المسرحية والحكايات. لكن النجاح لم يكن بهذه السهولة، فبعد أن شد الرحال وهو في الرابعة عشرة من عمره نحو كوبنهاغن، تقدم هناك للاشتراك بالعروض المسرحية، لكنه فشل في الاختبارات، فحاول الرقص، لكنه لم ينجح أيضاً، فجرَّبَ الغناء بعد أن اكتشف أحد مغني الأوبرا إمكاناته ومنحه فرصة للعمل معه، لكن بعد فترة تغير صوته ولم يعد يستطيع الغناء بالشكل المطلوب. فهجر الغناء، وظل يتنقل من مكان إلى آخر حتى بدأ العمل مع إحدى الفرق المسرحية، لكنه لم يعمر هناك طويلاً، حيث كان طويل القامة ونحيفاً، وهذا الأمر، بمواصفات تلك الأيام، لا يتلاءم مع أبطال العروض المسرحية الذين كانوا يتمتعون بقوة جسدية.

كل هذا لم يقف عائقاً أمام طموحات أندرسن الذي كان يتمتع بخيال واسع ويمكنه ارتجال أي شيء تقريباً، لذا صار يطرق أبواب الأثرياء الذين يفتحون له أبواب منازلهم الفخمة ليقدم لهم عروضاً ارتجالية خاصة، حيث كان يغني ويرقص ويقرأ نصوصاً من مسرحيات شهيرة أو من حكايات كتبها بنفسه. وهذه التجربة جعلته فناناً شاملاً، فبدأ بكتابة المسرحيات التي تم رفضها في البداية بطبيعة الحال، لكنها مع الوقت نالت نجاحاً وشهرة. لكن عبقريته الحقيقية تجلت في كتابته للقصص الخرافية، والتي جعلته أحد أعلام الدنمارك وأشهر كتّابه.

ما زال الكثير من الناس يتعاملون مع أندرسن كأنه يعيش بينهم وسيبقى كذلك إلى الأبد، وهذا ما لاحظته في الطريقة التي نُحتت بها تماثيله التي لا حصر لها، ومنها التمثال الذي قام بإنجازه النحات جورج لوبر، والموجود في حديقة كونفساتوري ووتر، ويظهر فيه أندرسن ممسكاً بكتاب كبير وبجانبه بطة كأنها تستمع إليه، وهي إشارة إلى قصته الشهيرة (البطة القبيحة). وهذا التمثال صُنع خصيصاً كي يتسلقه الأطفال في الحديقة وكأنهم يعيشون طفولتهم مع قصص الكاتب الشهير. وعند هذا التمثال بالذات يجتمع الكثير من محبي القصص كل صيف ليقرأوا لبعضهم قصصه وحكاياته التي ما زالت تبهرهم حتى هذه اللحظة.

هكذا توزعت تماثيل أندرسن بمدن كثيرة في الدنمارك، حتى تجاوز عددها مقدار العثرات التي واجهها في حياته، فيقف الناس أمام هذه التماثيل، كما أقف الآن مستعيداً حكايته التي هي حكاية الإبداع الذي يمد يده للناس ويمسك بها إلى الأبد.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى