“بلد بتاع شهادات صحيح”.. إفِّيه ساري المفعول حتى الآن

فنان أطلق نقداً لاذعاً للمجتمعات العربية
أحمد فضل شبلول

جملة أو “إفِّيه” (بلد بتاع شهادات صحيح) واحد من أشهر الإفيهات الارتجالية في تاريخ الفن العربي. أطلقه الفنان عادل إمام في بداية مسيرته الفنية أثناء تجسيده شخصية “دسوقي أفندي” (وكيل المحامي) في مسرحية “أنا وهو وهي” بطولة فؤاد المهندس وشويكار عام 1963. وقد حمل هذا الإفيه القصير أبعادًا اجتماعية ونقدية عميقة جعلته يعيش حتى الآن.
نبعت الكوميديا الخاصة بهذا الإفيه من أن الشخصية التي تتحدث عن “الشهادة الورقية” (دسوقي أفندي) هي شخصية هامشية، متواضعة التعليم، وتعمل في وظيفة بسيطة للغاية.
خرجت الجملة بشكل تلقائي وارتجالي من عادل إمام على المسرح. وجاءت لتعبّر عن صدمة الشخصية عندما ترى أن “الشهادة والورقة الرسمية” هي المفتاح السحري والوحيد الذي يفتح كل الأبواب المغلقة في المجتمع، بغض النظر عن الكفاءة الفعلية.
ينتقد “الإفِّيه” نظرة المجتمع الشرقي التي تُبجّل الألقاب الأكاديمية (مثل دكتور، باشمهندس، أستاذ) لمجرد الوجاهة الاجتماعية، حتى لو كان حامل الشهادة يفتقر إلى المهارة الحقيقية أو الوعي. لقد تحولت الشهادة الجامعية في الوعي الجمعي من وسيلة للتعلم والتثقيف إلى “صك أمان” اجتماعي واقتصادي، وبدونها يُنظر إلى الشخص نظرة دونية مهما كانت عبقريته أو نجاحه العملي.
ويذكر أن هذا الإفيه يعود إلى فترة الستينات، وهي الحقبة التي أعقبت ثورة يوليو 1952، حيث تميزت برفع شعارات “مجانية التعليم” وتكافؤ الفرص، وربط التعيين الحكومي المضمون بالحصول على المؤهل الدراسي. وسخَر “الإفِّيه” بشكل مبطن من النظام البيروقراطي الناشئ، حيث أصبحت “الورقة والأختام والشهادات” هي المحرك الأساسي للدولة والمجتمع، مما خلق هوساً جماعيّاً بجمع الشهادات الورقية لضمان الوظيفة الميرية (الحكومية).
ولعل من أسرار استمرارية هذا “الإفيه” حتى اليوم، هو تطابقه مع الواقع الحالي. فالواقع لم يتغير كثيراً عن زمن إطلاق الإفيه في الستينات. فما زالت الأسر تضغط على أبنائها لدخول كليات القمة بحثاً عن اللقب الاجتماعي، حتى لو كان سوق العمل يتطلب مهارات تقنية وحرفية وتكنولوجية لا توفرها تلك الشهادات التقليدية.
كما يتقاطع الإفيه مع الواقع المعاصر الذي شهد ظهور الجامعات الوهمية وظاهرة تزوير أو شراء الدرجات العلمية (الماجستير والدكتوراه الفخرية) من أجل الوجاهة، وهو ما يثبت مجدداً أننا ما زلنا “بلد بتاع شهادات صحيح”.
تبدأ جملة “الإفيه” بمبتدأ محذوف تقديره (هو)، لتكون النتيجة جملة اسمية تقريرية (بلد…). غياب المبتدأ يمنح الحكم صفة الإطلاق والتعميم؛ فالبلد هنا ليس مصر الستينات فقط، بل يتحول إلى نموذج مجرد للمجتمع ككل. واستخدام رابطة الملكية الشعبية “بتاع” يجرّد الشهادات من هيبتها الأكاديمية الفصحى (ذات شهادات/دولة مؤهلات) ويحيلها إلى “سلعة الدكان”.
كلمة “بتاع” تخلق مفارقة لغوية بين جلالة المؤسسة التعليمية، وابتذال اللفظ العامي. والتأكيد بـ”صحيح” يعمل كأداة تصديق وإقرار متأخر تأتي بعد صدمة واكتشاف. هي تؤكد نبرة الذهول والرضوخ للأمر الواقع في آن واحد.
يتأسس “الإفيه” على الصراع بين المحتوى الداخلي للإنسان والغلاف الخارجي القانوني. فالشهادة في هذا النسق هي “الدال” الذي يكتسب قيمة مستقلة تمامًا عن “المدلول” (المعرفة الفكرية)، وتؤكد أن البنية التحتية للمجتمع الحديث قائمة على الأوراق.
“الإفِّيه” يفكك هذا النظام عبر إظهار أن الورقة (الشهادة) لا توثق الكفاءة، بل هي التي “تخلق” الكفاءة من العدم في عين السلطة والمجتمع.
يمثل “دسوقي أفندي” الهامش غير المتعلم الذي يراقب حركة المركز (المجتمع البيروقراطي البرجوازي). ومن خلال رصده للبنية، يمارس تعرية للمركز من أسفل بعبارة تهكمية واحدة
لقد تحولت الشهادة الورقية من مجرد “علامة دالة” على عبور مرحلة تعليمية، إلى “أيقونة” مقدسة بذاتها. الورقة بختم النسر وتوقيعاتها أصبحت تمتلك “قوة سحرية” تمنح حاملها هوية جديدة. والمفارقة السيميائية تظهر في التناقض البصري؛ فهيئة “دسوقي أفندي” الرثّة، وحركاته العشوائية، وملابسه البسيطة تصطدم سيميائيّاً مع عالم “الشهادات الراقية” والملفات القانونية الأنيقة، مما يولد الضحك من فجوة الدلالة.
“الشهادة” هنا هي أداة لإعادة إنتاج الفئات الاجتماعية. و”الإفيه” يرصد اللحظة التاريخية التي تحوَّل فيها “التعليم” في مصر من أداة تنوير وتغيير طبقي إلى آلية بيروقراطية ميكانيكية لفرز البشر وتوزيع الامتيازات والمناصب حكوميّاً.
كما يعبّر “الإفيه” عن ثقافة الأمان الوظيفي التي هيمنت على العقل الجمعي العربي (المرتبط بالوظيفة الميرية أو الحكومية). وهنا نلاحظ أن الشهادة ليست رغبة في المعرفة، بل هي “صك حماية” ضد الفقر والنبذ الاجتماعي.
تعكس الجملة آليات الدفاع النفسي لشخصية “دسوقي إفندي”. هو يدرك قلة حيلته المعرفية والمادية، لذا يسقط عجزه على المنظومة الخارجية بالقول إن العيب ليس فيه، بل في “البلد” الذي يشترط أوراقا لا يملكها. ويمثل الإفيه لحظة “تنفيس” جماعي للجمهور.
ونلاحظ أن المشاهد الذي يفشل في تحقيق طموحه الطبقي بسبب عوائق ورقية يجد في الضحك على هذه الجملة تدميرا رمزيا لسلطة “المؤهل” التي تقمعه يوميا.
ولعل “الإفيه” يطرح سؤالا وجوديا: هل الإنسان هو ما يعرفه ويفعله، أم هو ما تقوله الورقة عنه؟ المجتمع هنا يمارس “اختزالا وجوديا” للكائن البشري، حيث يُعدم وجود الشخص الفعلي والواقعي طالما لم يُوثق مؤسسيًّا.
يعيش الفرد حالة اغتراب حاد عن منتجه (وعيه الذاتي)؛ فالمعرفة لم تعد تحقق ذات الإنسان، بل أصبحت مغتربة عنه في شكل شهادة تُباع وتُشترى وتُعرض للآخرين لنيل الاعتراف.
كاتب مصري




