مدونات

ثلاثة يا رب العالمين

د. محمد الحاج صالح

يوم 3 شباط 2013. ريح عاصفة باردة تقصّ المسمار كما يقال، تتدفّق موجةً إثر موجة من وادي بردى، مثلما تنقضّ هابطة من جبل قاسيون. تصفع الوجوه صفعاً. تصنع دوامات. تكنس الشوارع. تثير الغبار الناعم. وتجبر المارّة على المشي ورباً لمقاومتها.

مصادفة كنت أمرّ على الرصيف المقابل لمقر قيادة الشرطة. رأيت حشداً يسوقه بالتلويح بالهراوات شرطةٌ بلباس رسمي ورجال مخابرات بلباس مدني. كان جناح الحشد الأيمن يتراجع فارّاً كلما خبط رجال الأمن عشوائيّاً بعصيهم، فتتاح الفرصة للناس في الجناح الأيسر بأن يتقدموا. ينتقل رجال الأمن سراعاً إليهم ويشرعون بالخبط، فيتراجعون. جناح أيمن. جناح أيسر. كرٌّ. فرٌّ. وعصيٌّ تضرب.

لم يشتكِ أحدٌ من الجمهور، ولم يستنكر. وما نقص الحماس والرغبة بالاقتراب، وكأن الجمهور كان مسحوراً مدفوعاً بدوافع خفية. كأنه كان يندفع نحو كنز.

سألت رجلاً ما الذي يحدث؟ قال أعلنوا أنهم سيفرجون عن خمس وثمانين معتقلاً. ألم تسمع الأخبار؟

مشيت بضع خطوات مبتعداً فأنا كنتُ ممن يمشون الحيط الحيط ويا ربي السترة. تجارتي وعائلتي وفقط. تعززت فيّ حالة التطنيش والخنوع هذه بعد أن رأيت ما رأيت في ذلك اليوم في الصالحية، ثم في باص النقل الداخلي المتجه نحو دمّر وأنا عائد إلى البيت. في 29 أيلول 1981 كنت أمر بالصالحية ورأيت ما رأيت. فتيات ببدلات عسكرية وشارات المظلّيين ينزعن أغطية الرأس من النساء المحجبات أو نصف المحجبات وسط صخب من الشتائم من قبل المظليات، ومن صرخات الاستهجان الذليل من الضحايا. العسكريات كنّ مظليات من سرايا الدفاع. والمستهدفات كنّ نساء شاميّات.

أمّا ما حدث في الباص فأقسى. يا له من يوم أن تكون فيه شاهداً على حدثين مرّين وأنت عاجز عن أن تنظر باهتمام أو تعاطف حتى.

صعد إلى الباص شبّان أربعة حليقي الرؤوس يرتدون ثياباً عسكرية مبرقعة. حقيقة لست أدري ما الذي أثارهم. جرت ملاسنة بين أحدهم وبين رجل أنيق يرتدي ثياباً ثمينة. كانت السترة التي يرتديها ذات أزرار مُذهبة وبيده محفظة تليق بذاهبٍ إلى حفلة أو عرس أو غداء لذوات. كان صوت الأزعر عالياً وهو يستجوب الرجل الذي كان يرد بصوت خفيض وعيناه تُبصبصان وترأرآن ووجهه يحتقن. فجأة لكم الشابُّ المبرقع الثياب الرجل، فنفر الدم فوراً من أنف الرجل. رأيناه وهو يسدّ بكفه منخره ليمنع جريان الدم. ودون أدنى انتظار شرع الثلاثة الآخرون باللكم والرفس. عَجنوه عجناً. بطحوه في الممر بين الكراسي. دبكوا على ظهره وعلى رقبته وعلى محفظته. وسالت دماؤه غزيرة. إن أنسى لا أنسى العبارة التي كان يُردّدها أحدهم وهو يرفس ويرفس “والله لنربيكم يا أحفاد تيمورلنك”.

كان الباص ممتلئاً بالركاب وأنا أحدهم. لم ننبس بكلمة. تجمّدنا. تيبّسنا… وأكثر… تجنّبنا أن تلتقي أنظارنا بأنظارهم. كنّا ننظر إلى الأمام؛ إلى الفراغ. كنّا في صمت مُطبق، حتى إن السائق الذي كان يعلن بصوت مرتفع اسم الموقف؛ صار يتوقف في الموقف دون إعلان. يسوق بهدوء. يقلع بهدوء. ويتوقف بهدوء.

كان ذاك اليوم درساً نهائياً لي. اقتنعتُ أنني على حقّ، وأن مهمتي هي فقط شغلي وعائلتي والحفاظ على رأسي سليماً.

لماذا من قيادة الشرطة والكل يعلم أنهم من معتقلي الأجهزة الأمنية؟ الكل يعرف أن الشرطة وقيادتها لا دخل لهم في هكذا أمور.

ترددت كالعادة بعد أن قطعت تلك الخطوات وأنا أخاطب نفسي “ابتعدْ ابتعد”. لكنّه الفضول، فقد كان فضولي هذه المرة أقوى من مبدئي في إيثار السلامة. أو أنّ إرادة الله هي التي دفعتني للعودة.

خرجوا جماعات وفرادى. منظر مرعب. جثث تمشي. ثياب ممزقة تكاد لا تستر شيئاً في هذا البرد القارس. كلهم دون استثناء كانوا يبكون دون صوت بكاء. وجوه شاحبة. وجوه فيها إجهاش تعبيري مع أصوات تكاد لا تسمع. التواءات مشوّهة لعضلات وجوه واهنة وشفاه تنشر عن أسنان مخلّعة. سامحني إذا قلت لك أنهم كانوا كفريق زومبي خارج من مقبرة. يا ربي سامحني على هذا التشبيه.

قليلون هم الذين التقوا فعلاً بمن ينتظرهم على الرغم من كثرة الناس في الحشد المستقبِل، فقد بدا لي أن عائلات وأقرباء وأصدقاء لبعض المفرج عنه حضروا، بينما أخرون من مدن بعيدة فيما يبدو لا منتظرين لهم. هؤلاء ظل واحدهم حائراً يدور ويدور ولا يجد أحداً يعرفه.

رأيت صاحب محل “بالة” يجر بيده ذاك المفرج عنه الذي كان يرتدي سروالاً قصيراً وقميص “شيّال” ممزق، والرجل المسكين النحيف الضعيف يقاوم ببلاهة من لا يدرك ماذا يريد الآخر. بقيت أحدّق بهما دقائق إلى أن فهم المسكين أن البائع يريده أن يلبس من بضاعته. وفهمت من إشاراته واضطرابه الذليل أنه يعبّر أنْ لا مال لديه. غصباً عني خرّت دمعتي. اندفعت إلى داخل المحل. قلت دعني أدفع ثمن هذه الثياب. خرزني البائع بنظرة حادة. قال “اذهبْ وهات واحد آخر وادفعْ عنه”. وفعلاً خرجت لأنفّذ.

راقبت مجموعة منهم غابت عنهم ملامح البكاء، بل كانوا يضحكون بلا صوت ضحك. كانوا يضحكون حقّاً وإنْ كان ضحكاً كالبكاء؛ وهم يأكلون سندويشات الفلافل. بظني أن من دعاهم صاحب محل الفلافل. أشرت بأناملي وبميل من رأسي نحوهم أنني سأدفع عنهم. أومأ بائع الفلافل برأسه أنْ لا. وضرب على صدره بتعبير صارم.

محزن، بل حارق للوجدان أنْ يرى المرءُ رجلاً سبعينياً يبكي بحرقة. لم أعرف كيف أواسيه سوى بالقول “هوّن عليك نحن السوريين تعرضنا للكثير ومرّ بنا الكثير”. وفي سرّي قلت لنفسي هذا الرجل حساس زيادة عن الزوم. يبالغ.

بكى وبكى وبكى طويلاً وهو يشهق إلى درجة أحسست عندها أنني متورط في موقف مزعج لا أعرف كيف أتخلّص منه. وأخيراً استطاع أن يقول بين شهقات البكاء “أولادي الثلاثة أخذوهم ولم يعودوا”. ثم موجة أخرى من البكاء. “اندلعت الثورة وكانوا يغافلوني ويخرجون. ثلاثة ثلاثة يا رب العالمين”. “لم يعودوا لم يعودوا”. “ثلاثتهم أراهم في كل ساعة… في كل دقيقة يخرجون بحالة كحالة أولائك المساكين الأشباح”. “لم يعودوا. لم يخرجوا. ثلاثة. ثلاثة. يا رب العالمين” ونظر إلى السماء معاتباً. “ثلاثة يا رب..”

صعقتُ. صدمت. احتضنته وبكينا.

طبيب روائي وقاص سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى