زهرة التِياريه

ستار كاووش
ها أنا أقف أخيراً أمام لوحة باول غوغان الملهمة (امرأة تمسك زهرة)، وأستعيد كلمات هذا الفنان عن المرأة المذهلة التي تظهر في اللوحة، حيث كتب: (لم تكن جميلة جداً وفقاً لمعاييرنا الجمالية، لكنها كانت فاتنة. وقد ساهمت جميع ملامح وجهها في خلق تناغم رافائيلي من خلال انسجام الخطوط والمنحنيات، كما لو أن نحاتاً بارعاً قد نحت فمها، نحاتاً يعرف كيف يُجسد الفرح والمعاناة بخط واحد).
ما إن وضع غوغان قدمه على أرض تاهيتي سنة ١٨٩١، حتى ابتدأ مرحلة جديدة وساحرة من حياته الفنية، فعلى هذه الأرض رسم أجمل لوحاته على الإطلاق، حيث الألوان المشرقة، والضوء المختلف، واللون الأخضر وتناغماته المتعددة، ولون البحر الذي يحيط بكل شيء، والنساء السمراوات، والهواء المنعش، والعادات الجديدة، والملابس الملونة، وبساطة الحياة، والرمزية التي تغلف كل شيء، وليس انتهاءً بالغموض الذي تتقاذفه أرض هذه الجزيرة. وهكذا نرى كيف أن الفن العظيم لا يخرج عن سياقه الزمني، ونرى كيف تؤثر دوافع الفنان ورؤيته وظروفه وملابسات حياته على إنجاز أعماله الفنية. وكل عمل فني مهم يُخفي وراءه حكاية ومرجعيات وأسراراً منحته مكاناً في تطور الفن. وهذه اللوحة هي مثال عظيم على ذلك.
اللوحة التي بدت صغيرة بحجمها، وهي تتصدر معرض غوغان في متحف (كارلسبرخ غليبتوتيك) في كوبنهاغن، هي في الحقيقة واحدة من أجمل أعمال الفنان، ولها أهمية خاصة في تاريخ الفن، لأنها أول بورتريت رسمه غوغان في تاهيتي، وهي اللوحة التي قرّبته من الناس هناك، وقادته إلى التواصل معهم عن طريق بعض الكلمات القليلة التي تعلمها في أيامه الأولى في الجزيرة، وفوق هذا هي أول لوحة أرسلها غوغان من تاهيتي إلى أوروبا، حيث كتب إلى صديقه دانيال دي مونفريد، وأخبره بأن هذه اللوحة ستُباع بشكل جيد؛ لأنها جديدة تماماً من حيث الشكل والموضوع والمعالجة والألوان.
ذهب غوغان إلى جزيرة تاهيتي بحثاً عن جنته المفقودة، بعد أن ابتعد عن (أوروبا القذرة)، حسب تعبيره، باحثاً عن منطقة بكر يستلهم منها أعماله الفنية. وإضافة إلى لوحاته ورسوماته ومنحوتاته الخشبية التي أنجزها في تاهيتي، فقد كتب كتاباً مهماً حول رحلته الآسرة وحياته هناك، ودوّن يومياته بطريقة لا مثيل لها، حيث وصف كل شيء بعين الرسام الذي يرى الأشكال والألوان وسحنات الناس. وقد سمّى كتابه (نوانوا)، وهذه الكلمة تعني العطر بلغة أهل تاهيتي، لذلك كان غوغان يتحدث عن الرائحة العطرة التي استقبلته عند وصوله إلى الجزيرة، حتى شعر كأنه في الجنة.
وبالعودة إلى اللوحة، نرى امرأة سمراء من أهالي تاهيتي، ترتدي ثوباً بنفسجياً وتمسك بيدها زهرة، وقد تناثرت زهور أخرى على الخلفية بطريقة تذكرنا بالبورتريت الذي رسمه غوغان لنفسه، مع خلفية فيها تخطيط لصديقه الفنان برنارد. تنظر المرأة التاهيتية إلى البعيد صامتة، بانتظار أن يضع الفنان لمسته الأخيرة. نظرة المرأة وجلستها المطمئنة صحبة رسام غريب، ولون الخلفية الأصفر الذي منح لون الوجه جمالاً مذهلاً، كذلك توزيع بقع الألوان؛ كل هذا خلق إشعاعاً غامضاً ينبثق من اللوحة. يا للبداية العظيمة التي سيغيّر غوغان من خلالها تاريخ الرسم، وهو على أرض تلك الجزيرة البعيدة.
في كتابه (نوانوا)، يصف غوغان كيف جاءت هذه المرأة إلى كوخه بدافع الفضول، وهو كان قد رآها قبل ذلك في الجوار، وتمنى فعلاً أن يرسمها، وها هي تأتي طواعية بنفسها! وهذا ما نسميه حلماً لكل رسام. وهكذا لم يتردد الفنان العظيم في الإمساك بقطعة كانفاس بيضاء والبدء مباشرة برسم المرأة، لكنها اعترضت مترددة وغادرت الكوخ بسرعة، لتعود بعد قليل وهي ترتدي ثوباً بنفسجياً بياقة بيضاء وأكمام بيضاء، وكانت تثبت فوق أذنها زهرة التِياريه التي تُعدّ الزهرة الوطنية لتاهيتي، والتي تُستخدم في صناعة العطور ـ وهنا نتأكد من سبب اختيار غوغان لعنوان كتابه ـ فعاد لرسمها في هذه اللوحة وبجلسة واحدة. هنا انكشف أسلوب غوغان، وانفتحت ألوانه الساحرة التي جعلت لوحاته تذهب نحو تيار جديد مليء بالسحر والغرابة… إنها الرمزية.
الوقوف أمام هذه اللوحة فرصة لا تحدث كل يوم، إنها نعمة الفن التي تضع أمام أعيننا لوحات لها مكانها ومكانتها في الثقافة والإبداع الإنساني. غادرت الصالة التي تخيلتها تضوع بعطر التِياريه الذي ينبعث من اللوحة، وتركت شيئاً من روحي في حضن تلك المرأة السمراء الجميلة التي رسمها غوغان، فغيّر بذلك ذائقتنا وأثّر في تاريخ الرسم.
مضيت بخطواتي خارج المتحف، واستحضرت الشاعرة الهولندية ماريا فاساليس، التي كتبت قصيدة ساحرة عن هذه اللوحة ضمن مجموعتها (الحدائق والصحارى)، وكما في الكثير من قصائدها، ركزت الشاعرة هنا على الحياة الداخلية لهذه المرأة التي في اللوحة. هكذا أكملت طريقي وأنا أردد كلمات الشاعرة التي أعرفها جيداً:
“عيناها البنيتان متحررتان،
بلا ابتسامة، بلا غضب.
ساكنتان، صافيتان، لكن في حالة تأهب.
وفمها المغلق يفيض بالتحفظ والصبر…”
ناقد وفنان تشكيلي عراقي



