هل يوجد تاريخ صلاحية للروايات والكتب؟
الأدب في زمن الاستهلاك السريع .. خوف دائم من الغياب
رزان نعيم المغربي

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتعاظم هيمنة الإعلام الرقمي، لم يعد الأدب بمنأى عن منطق الاستهلاك السريع. فالأعمال الإبداعية التي كانت تعيش لعقود داخل الذاكرة الثقافية، باتت اليوم محكومة بمواسم النشر والجوائز والاهتمام العابر، ما يطرح أسئلة عميقة حول قيمة البقاء ومعنى الكتابة في عصر السرعة.
كنتُ منذ مدة في حوار مع صديق يعمل في الصحافة الثقافية. تحدثنا عن عمل روائي، وكان ردّه على الفور: “هذا العمل صدر قبل ثلاث سنوات… صار قديماً، والصحافة تفضّل الكتابة عن الأعمال الجديدة”.
توقفتُ طويلاً أتأمل المقصود. في البداية ظننت أن العمل ربما لم ينل إعجابه، لهذا قدم لي تلك الحجّة. الرواية موضوع النقاش صدرت قبل ثلاث سنوات فقط، وبالنسبة إلى التقاليد الصحفية غير المعلنة، هذه مدة كافية ليُنظر إلى الرواية على أنها خرجت من التداول، أو بالمعنى الذي خطر لي ساعتها: انتهت صلاحيتها.
هل أصبحنا في العقد الأخير نتعامل مع الروايات والمجموعات الشعرية مثل السلع الموضوعة على أرفف السوبر ماركت، تصدر مختومة بتاريخ انتهاء صلاحية؟
الموسميّة وملاحقة الزمن
تلك اللحظة سجلت أسئلة عدّة، كلها تحتاج إلى حوارات مطولة سواء من الكتاب أو القرّاء، ولنبدأ بسؤال متى بدأ هذا التحول؟ سؤال ربما مرّ في أذهان بعضنا، من المهتمين بمتابعة كل ما يكتب حول الأعمال المنشورة حديثا.
ويمكن إضافة تقليد جديد، صار معمولاً به، وهو انتظار بعض المعارض الكبرى للإعلان عن إصدارات جديدة من الكتب. إذاً متى صار العمل الأدبي، الذي يُفترض أن يعيش طويلاً، مرتبطاً بمواسم ثقافية تلقى عادة الاهتمام الإعلامي المكثف، ثم ما يلبث أن يدخل سريعاً منطقة النسيان؟ حتى لا أكتب كلمة أقسى وهي: الإهمال.
في السابق كانت بعض الروايات تحتاج سنوات كي يعثر عليها قرّاؤها الحقيقيون. الأعمال الإبداعية وغيرها، تتحرك ببطء داخل الحياة الثقافية؛ تتناقلها الأيدي، تُناقش في المؤتمرات والندوات والمقاهي والجامعات والصحف، ثم تستقر تدريجياً داخل الذاكرة. أما اليوم فيبدو أن النص الأدبي صار مطالباً بأن يحقق حضوره فور صدوره، وإلا تجاوزه المشهد سريعاً.
ربما لعبت الجوائز الأدبية دوراً كبيراً في هذا التحول. لم تعد الرواية تعيش لزمن تستحقه، أصبحت مرتبطة بموسم الترشيحات، والقوائم الطويلة والقصيرة، والحوارات السريعة، وصور حفلات التوقيع، ثم تبدأ دورة جديدة مع أعمال أخرى. حتى القارئ نفسه بات يطارد الجديد، وتأسست نوادي قراءة جديدة تسعى إلى مواكبة مستمرة لما هو أحدث، بعيداً عن جودة العمل التي تمنحه شرعية البقاء.
الصحافة الثقافية أيضاً لم تعد تملك رفاهية الوقت. المنصات الرقمية تبحث عن الجديد، الحوارات في الصحافة وعلى الشاشات تطارد العمل الأخير، والكاتب نفسه يشعر أحياناً أن عليه الإسراع نحو العمل التالي قبل أن يختفي اسمه من التداول.
وهنا يبرز سؤال مقلق: هل غزارة الإنتاج التي نشهدها اليوم علامة صحة وحيوية أدبية، أم أنها تعبير عن خوف جماعي من الغياب؟
الخوف من الغياب
بعض الكتّاب يملكون فعلاً مشاريع متدفقة، ويكتبون بدافع الحاجة الداخلية للكتابة. لكن المشهد الثقافي خلق أيضاً نوعاً جديداً من القلق؛ قلق الاختفاء. صار الكاتب يشعر أن التوقف الطويل قد يخرجه من دائرة الضوء، وأن عليه أن يبقى حاضرا باستمرار: رواية جديدة، تعني الدعوة لمهرجان، ترشح لجائزة، طلب مقابلة، وهكذا عليه أن ينجز رواية أخرى. بالطبع دون أن ننسى أن بعض الكتاب لديهم هوس التراكم، لهذا يسعون لإنتاج متواصل، حتى لو دارت خلفهم النمائم الثقافية بأنهم باتوا يكررون أنفسهم.
في هذا السباق تبدو المشكلة أنها لم تعد تنحصر في جودة العمل بقدر ما أصبحت في استمرارية الحضور، مما يجعلنا نطرح سؤالاً: هل تُنسى الأعمال بسرعة لأنها لا تستحق البقاء فعلاً، أم لأننا نعيش زمناً يستهلك كل شيء بسرعة، حتى الأدب؟
هناك روايات كثيرة صدرت خلال السنوات الأخيرة واختفت بعد أشهر قليلة، وربما كان اختفاؤها طبيعيا لأنها لم تضف شيئاً حقيقياً. وفي المقابل، هناك أعمال جيدة أيضاً مرّت سريعاً تحت ضغط الكم الهائل من الإصدارات الجديدة، وضجيج وسائل التواصل، وتصارع الحياة الثقافية نفسها، ولم تلقَ ما تستحقه من قراءات نقدية ومتابعات صحفية وحفلات تواقيع.
حتى نوادي القراءة، التي كان يمكن أن تمنح الأعمال عمراً أطول، أصبحت غالباً تتحرك وفق قوائم الترشيحات والإصدارات الجديدة، وما إن يمر الموسم حتى تنتقل إلى العنوان التالي.
هل نكتب لنبقى
أرى أن الأمر له دلالة أخرى، وهي علاقتنا بالوقت أكثر من النص المكتوب، وهذا ينطبق على الكاتب والقارئ معاً. نحن نعيش عصراً ليس لديه فرص كافية تمنح الأشياء قيمتها لتبقى راسخة؛ كل شيء يتحرك بسرعة: الأخبار، الصور، العلاقات، وحتى الكتب.
لهذا يبدو السؤال مشروعاً اليوم أكثر من أي وقت مضى: هل ما زال الكاتب يكتب عملاً يطمح لأن يعيش طويلاً، أم عملاً يضمن له البقاء حاضراً في المشهد لعام آخر فقط؟
أعتقد أن الإجابة تتعلق بوعي الكاتب، برغباته، بالوقت الذي يمتلكه لينجز، والأهم، بما يمتلك من وصفات سرية تتعلق بقدرته على الإنجاز السريع. ففي العصر الذي يرى فيه الصحافي أن عملاً صدر منذ ثلاث سنوات قد أصبح قديما، يبدو أننا وضعنا ختم الجودة جانباً، واستبدلناه بختم انتهاء الصلاحية؛ ليصبح السؤال الحقيقي: هل نكتب لنبقى في الذاكرة، أم لنبقى فقط على رفوف العرض حتى الموسم القادم؟
كاتبة وروائية وصحافية ليبية




