أوناحي النحيل .. هل يلسع الديوك؟

عبد الكريم البليخ

في كرة القدم، لا تقاس قيمة اللاعب دائماً بحجم جسده ولا بضجيج حضوره، بل بتلك اللحظات التي يخرج فيها من بين الظلال ليصنع الفرق حين تضيق المساحات وتشتدّ الأعصاب.
وهكذا يبدو عز الدين أوناحي، لاعب الوسط المغربي صاحب البنية النحيلة، واحداً من أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم كثيراً، لكنهم يتركون أثراً عميقاً في ذاكرة المباريات الكبرى.
منذ مونديال قطر 2022، حين خطف الأنظار أمام إسبانيا في ليلة تاريخية للمغرب والعرب وأفريقيا، بدا عز الدين أوناحي لاعباً قادراً على تحويل هشاشته الظاهرة إلى قوة خفية. فهو لا يدخل الملعب كمن يستعرض عضلاته، بل كمن يراوغ الحياة نفسها بخفّة، ينسلّ بين الأقدام، يهرب من الازدحام، ثم يترك لسعته في اللحظة المناسبة.
لذلك لم يكن غريباً أن يُلقّبه المغاربة بـ”النُحيلة”، تصغيراً للنحلة، في إشارة إلى نحافة جسده وحركته الدائمة ولسعاته الحاسمة.
في ثمن نهائي مونديال أمريكا الشمالية 2026، عاد أوناحي ليؤكد أنه رجل المواعيد الصعبة. كان المنتخب المغربي أمام كندا يمرّ بشوط أول ثقيل، لا يشي بكثير من الاطمئنان، قبل أن يخرج لاعب الوسط المغربي من صمته الكروي في الشوط الثاني، مسجلاً هدفين في الدقيقتين 50 و82، ومسهماً في فوز كبير بثلاثية نظيفة حملت “أسود الأطلس” إلى ربع النهائي للمرة الثانية توالياً، في إنجاز عربي وإفريقي غير مسبوق.
ليست الثنائية مجرد رقم في سجل البطولة، وإن كانت قد جعلته ثاني مغربي يسجل هدفين في مباراة واحدة بكأس العالم بعد صلاح الدين بصير عام 1998، بل هي شهادة جديدة على طبيعة هذا اللاعب الذي يعرف كيف يظهر عندما تحتاجه المجموعة.
وقد قال بعد اختياره أفضل لاعب في المباراة إن الفضل يعود إلى الفريق كله، في عبارة تكشف جانباً من شخصيته؛ لاعب لا يرى نفسه فوق الجماعة، بل جزءاً من روحها وانضباطها وأحلامها.
حكاية أوناحي لا تخلو من دلالة اجتماعية أيضاً. فهو ابن أكاديمية محمد السادس، وابن عائلة كروية في الدار البيضاء، بدأ مداعبة الكرة صغيراً، وتنقل بين الرجاء، وستراسبورغ، وأفرانش، وأنجيه، ومرسيليا، وباناثينايكوس، وجيرونا.
لم تكن رحلته مستقيمة دائماً، ولم تمنحه الأندية كل ما منحه المنتخب، لكنه ظل في قميص المغرب أكثر صفاءً وثقةً وحضوراً، كأن الوطن يوقظ في داخله النسخة الأجمل منه.
في أوناحي شيء من المفارقة الجميلة: جسد نحيل يتلقى الضربات، وكاحل يشتكي بعد كل مباراة، لكنه لا يكفّ عن الركض والمراوغة والبحث عن الممرات الضيقة.
يستلهم لعبه من إنييستا وكاكا، لكنه صنع لنفسه ملامح خاصة؛ لاعب يختصر أناقة الوسط، وقلق الموهبة، وصلابة الحلم المغربي.
وحين يلاقي المغرب فرنسا في ربع النهائي ببوسطن، الليلة، ستكون العيون مُعلّقة من جديد بذلك اللاعب الهادئ الذي لا يحتاج إلى صخب كي يُرى.
عز الدين أوناحي اللاعب الهادئ لم يعد مفاجأة عابرة، بل صار علامة على أن النحافة قد تُخفي صلابة، وأن الجسد الصغير قد يحمل حلماً كبيراً، وأن بعض اللاعبين لا يولدون حقاً إلّا في المواعيد الكبرى.
كاتب وصحافي سوري




