بريد الليل.. رواية المستقبل المجهول

إسماعيل إبراهيم عبد

الروائية هدى بركات، عبر تقنية الرسائل والسرد العليم، تُعيد إلينا ذواتنا المهملة في رسائل البوح، الذاتي والعام. وتحفزنا على أن نكون كما لو أننا نبتة، أو قطرة، أو لفحة هواء. تتبّصر بذواتنا الحالمة، الكسيرة، الظالمة، المظلومة، الطيّعة المهانة، الطاغية الحمقاء، الدنيئة الذليلة، العنيدة الذابلة. تُشرّح اللا مرئي من أنفسنا وسلوكنا. وثمّة وشائج إقناع فنية تلعب بها على لغة السرد، لتصير الرواية كلها رسالة احتجاج مُزْجَاةً عبر بريد ليل المآسي الإنسانية عامةً، والعربية واللبنانية خاصةً.
جميع شخوص رواية “بريد الليل” لهدى بركات من هذا النمط: “المريض المضطرب، المتجني الضحية”.
إن بريد الليل الذي يكتبه ـ مجازاً – ساعي البريد “البوسطجي”، هو بريد لا ينقل فقط، إنما يقرّر طبيعة وشؤون حياة الناس بين التوطّن والهجرة، والانتماء والتخلّي. يرصدها عبر أكثر من ثلاثين سنة، موجزة بأربع رسائل مطولة، تتوسط بين واحدة وأخرى مسرودات حدثية تعلن عنها شخصية جديدة.
ما يهمنا في هذه التوطئة أن تقنية الرسائل لم تكن سوى طريقة تضليل موحية بتفاصيل سيقررها القارئ بعد إتمام قراءته للمدونة؛ الرسالة أو الحكايات المروية على لسان الراوي العليم؛ المقابل الموضوعي للروائية. وإن لم تكن عينُ القارئ قادرةً على فهم البؤر المتداخلة لمتون الرواية، فسنؤكد فرائضنا السابقة على وفق الآتي:
أولاً: الإنسان السديم
أزعمُ أن سكان الأرض – بما فيهم وما عليهم – يتحمّلون عبءَ الوجودِ لسَديم الكون قاطبةً؛ فلم نعرف كوناً عاقلاً غيرنا، ولا غيرنا يتحمّل كوارث وأمراضَ الوجود مثلنا؛ لذا نحن الكون، ونحن الوجود الأزليّ. هكذا يقرّ ويستقرّ منطق الرواية في باطن تفكير الروائية هدى بركات. ومثلما تستهوينا ألعاب المصائر، تستهوينا أمراضنا، ومنها: الانشطار الذاتي المقارب للانشطارات الكونية، كونهما لن يلتقيا ولن يلتحما أبداً. ها هي الراوية، البطلة الثانية في الرواية، تتحمّل بمفردها أكوان البشر، مستحيلةَ القدرة على تغيير أقدارهم. تحلّ كل شيء بالانتظار الذي يحيل إلى انشطار أكثر إضاءةً من جرح؛ ثم انشطار يجرّ آخر. لنقرأ: “من ينتظر يعرف شيئاً. إن ما أعرفه قليل جداً، وعتيق، وغير مستقر في ذهني، ثم أستحضرُكَ، أضيعُ بين ذكرياتي واختراعاتي… لم أعد أتسلى إلا حين أكون وحدي”.
إن المتتبع لهذه القطعة من مدونة الرواية، كما أُخمّن، ستتاح له فرصة للتحاور بين ذاتين منشطرين بسبب تشظيين سابقين. أَقصد:
1ـ أن قلة المعرفة منشطرة بسبب الانتظار غير المجدي، يقابل هذا انشطاراً يشبه تصدّع الكون الوجوديّ الناجم عن الحركة الكونية دائمة التشقق والانفجار عبر التصادم الكتلي.
2- أن التصادم المُمِضّ حد الانكسار يمثل فجوة نفسية تقارب فجوات الكون التي تلتهم الوجود لتلحقه بوجود أشمل.
3- الانشطار الثاني يسببه عدم استقرار ذهن البطلة المسبب للقِدم أو التهرؤ، المسبب هو الآخر لشقوق استحضار الحبيب.
4-انشطار رابع ذو طرفين يتسبب في شق عميق بين الضياع والتذكر، يجرهما نحو شق ممضٍ بين التخيّل واختراع وجود الحبيب.
5- يجيء الانشطار الخامس كخلاصة لمعاناة البشر، فينفجر الفرد الإنسان إلى ذات مخلوقة وذاتٍ محسوسة، برغبته أكثر إيلاماً من وجوده، كونه يتسلى، وهذا التسلي يفرض عليه فجوةً أن يترك الناس كلهم، فيصير واحداً أوحداً.

رواية بريد الليل
لنا أن نتصور هذا الإنسان كائناً فرداً في كون بارد موحش، ينتظر نهايةً لا تأتي، وحبيباً لم يُخلق بعد. تُرى، أليست هذه الوحدة الاستيحاشية مشابهةً بإيلامها أمراضَ سُدُم الكون كلها؟
ثانياً: حيوان بشري
إن الكائن البشري المدعو إنساناً كثيراً ما يتصرف مثل البهائم، ممسكاً بفطرة دنيئة إلى حد ما، أو رغبة كسولة ربما. لنقرأ:
“لماذا أنتِ في حاجة إلى كل هذا اللعب؟ في حين ترين غرامي لك بلا مجهود منك بالمرة. كيف أتعرق لاهثاً حين تقتربين، وأشم رقبتك كصغار الحيوان.. لا تحتاجين إليَّ كي تعرفي كم أنتِ شهية، إذ يكفيكِ أن تري ذلك في عيون الرجال”.
ثالثاً: تلقائية التشكّل
التلقائية في الفنون جميعها تشكيل ينطلق من العقل الباطن، متجاوزاً الرقابة الواعية لأجل أن يطلق العنان للمشاعر والأفكار العفوية. وهي تتسم بحركات حرة لتوزيع غير مقيد للعناصر، تفضّل الفوضى المنظمة على التخطيط المسبق، مما يخلق إيقاعات بصرية جديدة، فضلاً عن أنها تعمّق التجارب الشخصية والاجتماعية، وتتصل بالذاكرة الجمعية والمعتقدات الشعبية. وهي تستخدم تكرار الرموز ذات الدلالات الثقافية، وتسطيح العناصر، وتوزيعها بحرية للتعبير عن الهوية. وبطبيعة الحال، فإن المبدع التلقائي يقوم بتفكيك الأشكال الحسية وإعادة بنائها لتتماشى مع التفاعلات النفسية. والأفكار التلقائية تخلق تواصلاً عميقاً مع المتلقي، تدعوه لاستكشاف ذاته، وتلعب دوراً حيوياً في توثيق الذاكرة والتعبير عن الهوية الثقافية للمجتمع.
رابعاً: حاضن الحكاية المؤقت
إن حاضن الحكايات يظل مؤقتاً لكونه متغيرَ الشكل والمحتوى على مدى انفتاحه باتجاه الديمومة الحكائية؛ سيشكل فتحةَ شعاعٍ لظلال الحكايات أن تتفرع وتتفرّغ وتتناسل بقصصها، وتغيّر تضاريس أرضها، وتنتفع بمقام أصولها لتتصل بالتاريخ الإنساني المجمل للعالم. هكذا تواصل الكاتبة هدى بركات بثَّ متون رسائلها. ربما هي رسائل لأجل المهمشين والمغيبين.
خامساً: التهميش وتقنية الرسالة
تقنية الرسائل غطت متون الرواية كلها، لكن لنتساءل: ماذا لو مارس الروائي بقصد وتخطيط عمليةَ تهشيم الزمن وخرقِ تواصله الخطي؟ ماذا يبقى من الرواية لو تمت تشظيةُ الشخوص بحيث يصيروا بلا ملامح، على الرغم من أفعالهم الخطيرة؟ وماذا يظل من الحدث إن فقد الجغرافيةَ والتاريخَ؟
الرواية لا تجيب عن هذا كله؛ فقد استقال ساعي البريد وغابت الأجوبة معه، تاركةً القدر الذي يتحكم بمستقبل مجهول، خالٍ من الاعتبارات الأخلاقية جميعها. لكن هذا اللاجواب هو جواب يوحي بضياعٍ مفجّرٍ للألم والإبداع الفني.
كاتب عراقي




