أديب الحريري في أصوات الغائبين على الجدار
عبد الكريم البليخ

يريد الفنان أديب محمد الحريري من خلال هذه الجدارية أن يقول إن الغائب لا يختفي تماماً ما دام حاضراً في ذاكرة من يحبونه، وإن قضية المفقودين والمختفين قسرياً ليست مجرد أرقام أو ملفات، بل حيوات معلّقة وعائلات تعيش بين الأمل والانتظار والأسئلة التي لا تجد جواباً.
فالمرأة الموجودة في مركز العمل تمثل، على الأرجح، الإنسان الذي يحمل داخله ذاكرة كاملة: أطفالاً وأمكنةً ودماراً ونهراً ونباتاً وطائراً. أي أن الذاكرة عنده ليست صورة واحدة، بل عالم متشابك من الوجع والحنين والحياة. أما الخيط الأحمر فهو رمز للرابطة التي لا تنقطع بين الغائب وأهله، وبين الإنسان ومكانه، وبين الماضي والحاضر، وكذلك للبحث المستمر عن الحقيقة.
والفنان لا يريد أن يجعل اللوحة غارقة في الحزن وحده؛ لذلك أدخل عناصر مثل النبات والطائر والنهر، ليقول إن الحياة تستمر رغم الفقد، وإن الذاكرة يمكن أن تكون مصدراً للصمود لا مجرد مساحة للألم. فثمّة شيء يبقى حيّاً رغم الغياب: المحبّة، والوفاء، والأمل، والقدرة على الاستمرار.
وفي مستوى أعمق، يريد الحريري أيضاً أن يُخرج معاناة العائلات من خصوصيتها وصمتها إلى الفضاء العام؛ أي أن تتحول ذاكرة الأفراد إلى قضية يراها المجتمع ويسمعها، فلا يبقى المفقود محصوراً في صورة معلقة على جدار بيت، بل يصبح جزءاً من ذاكرة المدينة وضميرها.
وباختصار، رسالة العمل هي: قد يُغيَّب الإنسان جسداً، لكن أثره لا يُمحى، والبحث عن الحقيقة لا ينتهي، والذاكرة قادرة على أن تحوّل الغياب من صمت شخصي إلى حضور إنساني عام.
المزمار العربي
…
يقول الفنان التشكيلي أديب محمد الحريري المقيم في كندا، عن الجدارية “خيط الذاكرة”، انها تستكشف موضوعات الفقد، والاختفاء القسري، والذاكرة، والصمود، والحاجة الإنسانية الدائمة إلى البحث عن الحقيقة.
على مدى أكثر من عقد، ارتبط جانب كبير من عملي في مجال السرد البصري بقضايا حقوق الإنسان، والنزوح، والاعتقال، وتجارب الناجين والعائلات التي تعيش وطأة الغياب. ومن خلال العمل الوثائقي، والرسم، والتصميم، والتواصل البصري، تعاملتُ مع شهادات شخصية وقصص يصعب في كثير من الأحيان ترجمتها إلى صور. وتنبثق هذه الجدارية بصورة طبيعية من تلك التجربة، وفي الوقت نفسه تمنحني مساحة لمقاربة هذه الموضوعات بلغة بصرية أكثر ذاتية وشاعرية.
يشدّني بصورة خاصة ما يعنيه أن يجد الناس في أنفسهم القوة لمواصلة حياتهم، في الوقت الذي يظل فيه مصير شخص يحبونه مجهولاً. فالاختفاء القسري يخلق شكلاً خاصاً ومختلفاً من الفقد؛ إذ تبقى الذاكرة، وتظل الأسئلة معلّقة بلا إجابات، ويواصل الناس حياتهم وهم يحملون معهم ذلك اليقين الناقص والقلق المستمر.
وخلف كل شخص مفقود، ثمة عائلات وأفراد يحملون حكايات قد تبقى سنوات طويلة حاضرة في أعماقهم، وفي بيوتهم، وذكرياتهم، وصورهم الفوتوغرافية، وأحاديثهم، وحتى في صمتهم.
ومن خلال هذه الجدارية، أريد أن أنقل جزءاً من هذه التجارب إلى فضاء عام مشترك. أريد للعمل أن يخلق لحظة تتحول فيها الذاكرة الخاصة إلى جزء من حوار عام أوسع، بما يسمح لحكايات الغياب بأن تخرج من عزلتها، وأن تصبح مرئية ومسموعة، وأن تصل إلى أناس يتجاوزون أولئك الذين عاشوا هذه التجارب بصورة مباشرة.
وفي الوقت ذاته، يشكل الصمود والأمل محورين أساسيين في الجدارية. ففي مركز العمل، تظهر امرأة تحمل في داخلها مشهداً داخلياً من الذاكرة، تتداخل فيه شظايا من المكان، وأطفال، وآثار الدمار، ونهر، ونباتات، وطائر.
ويمتد خيط أحمر عبر هذه العناصر، رابطاً بين الناس والأماكن والذكريات، وبين كل ما لا يزال عالقاً من دون حل أو خاتمة. أما النباتات التي تنمو، والطائر، والنهر المتدفق، والخيط الذي يواصل مساره، فجميعها توحي بأن الذاكرة لا تتعلق فقط بما فُقد، بل أيضاً بما يبقى ويستمر: الصلة بين الناس، والبقاء، والبحث عن الحقيقة، والقدرة على مواصلة الحياة مع الحفاظ على حضور أولئك الغائبين.
وبالنسبة إليّ، فإن إنجاز هذا العمل على هيئة جدارية في فضاء عام يحمل دلالة خاصة، لأنه ينقل هذه القصص من الحيز الخاص للذاكرة إلى حضور مادي وملموس داخل المدينة. كما يتيح لأشخاص ينتمون إلى خلفيات وتجارب مختلفة أن يلتقوا بهذه الحكايات، وأن يجد كل منهم علاقته الخاصة بموضوعات الفقد والذاكرة والأمل والانتماء.

جدارية “خيط الذاكرة” للفنان التشكيلي أديب محمد الحريري




