عن الحياة في الولايات المتحدة
عبد الكريم البليخ

ليست الحياة في الولايات المتحدة تلك الصورة المضيئة التي تتكاثر في المخيّلة الجمعية، حيث تتوهج الأحلام في ألوانٍ لامعة، وتبدو الطرق ممهدةً نحو نجاحٍ يكاد يكون مضموناً. ليست كذلك، ولا هي نقيضها تماماً. إنها شيءٌ أكثر تعقيداً، أكثر التباساً، أقرب إلى مرآةٍ واسعة تعكس ما نحمله في دواخلنا بقدر ما تعكس ما تقدّمه لنا. هناك، حيث يمتد الأفق إلى حدٍّ يُربك البصر، وحيث تتجاور المدن الشاهقة مع مساحاتٍ شاسعة من الصمت، يتعلم الإنسان أنَّ الاتساع الخارجي لا يعني بالضرورة اتساعاً داخلياً.
في البدء، يصل القادم محمولاً على يقينٍ خفي: أن التعب سيُكافأ، وأن الزمن، مهما قسا، سينحني في النهاية لصالحه. هذه القناعة لا تأتي من فراغ، بل من سردياتٍ طويلة غذّتها الحكايات والصور والنجاحات القليلة التي جرى تعميمها حتى بدت كقاعدة. غير أن الحياة اليومية، في صرامتها الهادئة، تعيد ترتيب هذه القناعات. شيئاً فشيئاً، يكتشف الإنسان أن الطريق ليس مستقيماً كما تخيّل، وأن كل خطوةٍ إلى الأمام تستدعي ثمناً غير مرئي، يُدفع من الجهد، ومن الوقت، ومن أجزاءٍ دقيقة من الروح.
العمل، هنا، ليس مجرد وسيلةٍ للعيش، بل هو الإطار الذي تُقاس داخله قيمة الإنسان. يصبح الوقت وحدة إنتاج، لا مساحة تأمل. تتكرر الأيام بإيقاعٍ يكاد يكون ميكانيكياً، حتى يفقد الزمن حدوده الواضحة، ويغدو كتلةً متصلة من السعي. لا يعود السؤال: ماذا نريد أن نفعل بحياتنا؟ بل: كيف نُبقي هذه الحياة مستمرة؟ في هذا التحول، يكمن البعد النفسي الأكثر عمقاً، حيث يتراجع المعنى أمام الضرورة، وتخفت الرغبات أمام إلحاح الواقع.
ومع هذا الإيقاع، تتسلل الغربة إلى طبقاتٍ أعمق من الوعي. ليست غربة المكان فحسب، بل غربة اللغة، وغربة الإشارة، وغربة التفاصيل الصغيرة التي لا تُقال. يتعلم الإنسان أن يتحدث، نعم، لكنه لا يتكلم كما كان يفعل. يتواصل، لكنه لا ينكشف. يندمج في السطح، بينما يظل في العمق معلقاً بين صورتين: صورةٍ يحاول أن يكونها، وأخرى يخشى أن يفقدها. وهنا، تتحول الهوية إلى مساحة تفاوضٍ دائم، لا استقرار فيها، ولا يقين نهائي.
في المجتمع، تتجلى المفارقة بوضوحٍ يكاد يكون مؤلماً. كل شيء يبدو منظماً، محكوماً بقوانين دقيقة، ومع ذلك، فإن الإحساس بالوحدة يتكاثر في المساحات الخفية. الناس قريبون جسدياً، لكنهم متباعدون وجدانياً. العلاقات، وإن وُجدت، غالباً ما تكون مشروطة بإيقاع الحياة ذاته، محدودة بزمنٍ قصير، لا يسمح لها بأن تنمو ببطءٍ طبيعي. في هذا السياق، يصبح الإنسان أكثر اعتماداً على ذاته، لكنه، في الوقت نفسه، أكثر عرضةً للإنهاك الداخلي.
أما المهاجر، فيحمل عبئاً مضاعفاً. هو لا يواجه تحديات الحاضر فحسب، بل يحمل أيضاً ذاكرة مكانٍ آخر، بكل ما فيه من حنينٍ ومسؤوليات. يعيش في منطقةٍ بين بين: لا هو قادر على العودة كما كان، ولا هو قادر على الذوبان الكامل في ما صار إليه. يرسل جزءاً من حياته إلى هناك، ويحتفظ بجزءٍ هنا، وفي هذا الانقسام تتشكل هشاشةٌ دقيقة، لا تُرى، لكنها تُحسّ في كل قرار، في كل اختيار، في كل لحظة تعب.
ثم تأتي التفاصيل الصغيرة، تلك التي لا تُكتب في السرديات الكبرى، لكنها تصنع ثقل التجربة: الانتظار، القلق من فقدان العمل، حسابات المصروفات، الخوف من الطوارئ غير المتوقعة. هذه التفاصيل، بتكرارها اليومي، تنحت في الداخل شعوراً دائماً بالحذر. يصبح الإنسان أكثر اقتصاداً في أحلامه، أكثر ميلاً إلى الأمان، حتى لو جاء على حساب المغامرة. وهكذا، يتحول البقاء إلى هدفٍ قائم بذاته، لا مجرد مرحلة نحو شيءٍ أكبر.
ومع ذلك، لا تخلو هذه الحياة من لحظات صفاءٍ نادرة، تشبه ومضاتٍ قصيرة في ليلٍ طويل. لحظات يشعر فيها الإنسان أنه، رغم كل شيء، ما زال قادراً على الإمساك بجزءٍ من ذاته. قد تكون في لقاءٍ عابر، أو في نجاحٍ صغير، أو حتى في لحظة صمتٍ يستعيد فيها توازنه الداخلي. هذه اللحظات، وإن بدت بسيطة، هي ما يمنح التجربة قابلية الاستمرار، وما يحول دون انزلاقها الكامل إلى العدمية.
في نهاية المطاف، لا تكشف هذه الحياة عن إجابات جاهزة، بقدر ما تطرح أسئلة أكثر عمقاً: ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟ هل هو الإنجاز، أم الطمأنينة، أم القدرة على البقاء دون أن نفقد أنفسنا؟ وأيُّ توازنٍ يمكن أن نحافظ عليه بين ما نكسبه من العالم، وما نخسره في الطريق؟ هذه الأسئلة لا تخص مكاناً بعينه، لكنها، في هذا السياق، تكتسب حدّةً أكبر، لأنها تُختبر يومياً، في تفاصيل لا تقبل التأجيل.
هكذا، تتبدى الحياة هناك: ليست حلماً خالصاً، ولا كابوساً كاملاً، بل تجربة إنسانية مركبة، تتقاطع فيها الرغبة بالبقاء مع الحاجة إلى المعنى. وفي هذا التقاطع، يتعلم الإنسان درساً قاسياً ونبيلاً في آنٍ واحد: أن النجاح ليس دائماً في الوصول، بل في القدرة على الاستمرار دون أن يتحول إلى نسخةٍ باهتة من نفسه، وأن الكرامة، في جوهرها، ليست ما نحصل عليه، بل ما ننجح في الحفاظ عليه، رغم كل ما يدعو إلى التفريط.
كاتب وصحافي سوري




