إناسة

خواطر في حبّها

بسام جميدة

هل تمنيت يوماً أن تكون لاعب كرة قدم يتمتع بالجماهيرية والشهرة والمال؟

يطوف السؤال في الرأس، ويكون وقعه مدوياً، يُحدِثُ ضجيجاً مختلفاً ليوقظَ حلماً غفا واندثر، عقود مرت لم ننبش ما فينا، طحنتنا رحى الحياة لتذرونا في مهبّ الريح، نتناثر ونركض في كل الاتجاهات تاركين الأحلام خلفنا دون أن نوَدعها، أو نوْدِعها خزائن الذكريات لنعود إليها ذات شوق.

كبرنا، ولم ننسَ ذاك السؤال الذي كان يُلحّ به الأهل علينا، ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟

يحاول الأهل أن يزرعوا في أذهاننا ما يرغبون ويعتقدون أنّه الأنسب لنا كي نأمنَ من غدر الزمان، يلقنوننا مهناً كثيرة، كن طياراً أو مهندساً أو دكتوراً أو محامياً، وعندما نردد أيّاً من هذه الكلمات يتلقفونها ليباهوا بها الأقارب الجيران: ابني يريد أن يصبح كذا.

وماذا عن أحلامنا ولهونا وملاعبنا؟ لا أحد يأبه لنا.

تأتي عبارات التحذير مثل الكرات الخاطفة بعيدة المدى التي تمزّق الشباك: “إيّاك أن تكون فاشلاً، هذه دروب الضياع، الرياضة ملهاة، إيّاك الاقتراب منها، لا يمارسها إلّا الفاشلون في دراستهم، العب في الحارة أمام أعيننا قليلاً، عُدْ إلى دراستك، كرة القدم لا تطعم خبزاً، لا تكن فاشلاً مثل ابن فلان”، عبارات كانت تُردَّدُ يومياً على مسامعنا، وتتنوع جملُ الترهيب، وليس هناك من يحاول أن يُرغِّبَنا أو يعملَ مواءمةً بين اللعب والدراسة، إما هنا أو هناك.

ربما يكونون محقين في ذلك لما يرون ويسمعون، كرة القدم في ذلك الوقت أيضاً مُرهِقَةٌ مادياً، والملاعب الترابية موجعة، وقرض الحكايات التي يتداولها بعضهم تفزع الأهالي خوفاً من لحظة انفلات الولد ليمارس فيها شقاوته، ويُدخن أو يُصاحب رفاقَ السوء.

إغراء اللعب يتغلب على حرص الأهل، نرتكب كل الحماقات، ونتسلل في عزّ القيظ كي نلعب، ربّما بلا أحذية أو أحذية رخيصة جداً، بلاستيكية أو صينية خفيفة لا يهم، الملعب ترابي مملوءٌ بالحجارة تدمي الأقدام والركب، ناهيك من المشاجرات التي تحدث دائماً؛ ولكننا لا نشعر بالألم، بل بمزيد من المتعة التي نعاودها كلما سنحت لنا الفرصة.

مارست شغفك وتمتعت، أمضيت أوقاتاً سعيدة مع من تحب وأنت تلعب، شعرك المنسدل يهفهف، تسابق الريح ولا تتعب، تزرع مع كل خطوة شتلة فرح، كل الذين تحبهم معك، فليتوقف الزمن هنا، أحلامنا صغيرة ولا نريدها أن تذهب سُدى، ولكن العجلات لم تتوقف، كل شيء يمضي ويتغير، عبثاً تتشبث بالحلم، هيهات أن يبقى، تبدل كل شيء، وحدك تبقى كما أنت حتى لو تبدل كل من حولك.

كرة القدم في عقود مضت كانت لعبة شاقة، لا ملاعب معشبة، ولا أندية محترفة، ولا مال مقابل اللعب؛ بل كان اللاعب يدخر من مصروفه ليجمعَ مع رفاقه ثمنَ الكرة أو اللباس، ما يشكل عالةً على أهله، وإغراءات اللعب لم تكن سوى في عقول الهائمين بها دون أن يفكروا في العواقب ولا في المستقبل.

الولع بكرة القدم يأخذك بعيداً، ولم تكن هناك فضائيات، كانت الصحف والمجلات نافذةً للاطلاع على تفاصيل اللعبة ونجومها، ومعها يكبر الحلم سراً، وأنت تكتم أفكاركَ في أن تصبحَ مثل ذاك اللاعب هدافَ ناديك أو مدينتك الذي لم يكمل دراسته؛ ولكنك تريد أن تصبح مهندساً أو دكتوراً أو كاتباً، وتمارس اللعبة وتخرق القوانين السائدة لتحقق أمانيك، وتفتح الطريق لغيرك.

في بعض الأحيان يبدو كل شيء مؤاتياً لكي تمضي في حلمك وتحقق رغبتك، تملك الاندفاع والموهبة والمهارة، وتنطلق كالسهم نحو الهدف، ولكن في هذه الحياة شيئاً ما يَحولُ بينك وبين فرحك، تعاركه كثيراً، وتحاول، ولكنك تتوقف لتمضي نحو مكان آخر، ليس مستسلماً؛ ولكنك متيقن أن كل شيء يسير ضدك، فتسلك طريق السلامة، ليفتح الله لك درباً تعوض فيه ما فاتك.

في لحظة ما يداهمك شعور مختلف، وأنت تتابع مشهداً مؤلماً أو مفرحاً، تتمنى لو تصبح خارقاً كي تفعل المعجزات، وتحقق الأمنيات، كرة القدم التي تنثر فيك الحماس والرغبة في القفز فوق الجدران، تؤلمك حيناً، وتفرحك أحياناً، هي نسخة مطابقة للحياة، بكل مفاهيمها، أن تكون لاعباً منقذاً لفريقك ومنتخب بلادك، أن تكون صوت الحق من منابر الإعلام، أن تكون روائياً لتكتب عن المسحوقين، خيارات كثيرة ترسم أنت معالمها وتمضي في مشوار العمر…

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى