من هو المثقف؟
باسم حورانيه
تُرى من هو المثقّف الحقيقي؟ كثيراً ما نرى من يدّعون المعرفة والثقافة يتكلمون بثقة لا تهتزّ ولا تنحني مهما اصطدمت بحقائق مخالفة لما يظنون. وكثيراً ما يصفعك المحاور أو المنظّر بشهادةٍ عُليا مثل الماجستير والدكتوراة، ومؤلفاتٍ أو مقابلاتٍ متلفزة ومحاضراتٍ ألقاها، أو برحلاتٍ قام بها هنا وهناك، ظنّاً منه أنّ ذلك يمنحه من الخبرات ما يخوّله الأمر والنهي في مختلف نواحي الحياة.
يُعرّف البعض الثقافة بأنها سلوكٌ حضاريٌّ معرفيٌّ ممزوجٌ بفعلٍ إنسانيٍّ متحضّر، وبأن الشخص المثقف هو إنسان له دراية حقيقية واسعة بشتّى حقول المعرفة، ومتتبع بشغفٍ لكل ما يجري من حوله على نطاقٍ واسعٍ، وهو من ينهل من أمّهات الكتب ومن مصادر عالية المصداقية ليكتنز معرفةً مستقاةً من مشارب متنوعة وغنيّة بما يكفي لخوض الحوارات والنقاشات ولإبداء الرأي مدعوماً بمبررات معرفيّة منطقيّة.
والمثقف ليس بالضرورة من حملة الشّهادات العليا.. والكثير من الأمثلة تؤكد ذلك. وكم صادفنا من جامعيين لا يفقهون من أمور الدّنيا إلا ما كان ضمن تخصصهم في أحسن الأحوال. والثقافة ليست مجرّد حفظٍ لأقوال وأشعارٍ وأرقامٍ أو إحصاءات، كما أنها ليست حفظاً لتواريخ من حياة الشعوب فحسب، فقد بات ذلك متاحاً من خلال تطبيقاتٍ وبرامج لا تعدُّ ولا تُحصى، زاد من قدرتها وسرعتها عالم الذكاء الاصطناعي. فلم يعد مطلوباً من المرء أن يتحول إلى بطاقة ذاكرةٍ تحفظ معلوماتٍ شتّى إعتماداً على ذاكرة الإنسان التي قد تخذله في أي وقت. بل الأهم من حفظ الماضي هو أخذ العبر منه لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. كذلك فإن الشهرة، خصوصاً في زمننا هذا، ليست المِحك لقياس الثقافة والنضج، وهنالك الكثير من المشاهير لا تخفى على الناس ضحالة أفكارهم، فسرعان ما يظهر في أي حوارات افتقارُهم للمحاكمة العقليّة المنطقيّة ولأسس البحث والمعرفة.
كما يفضح بعضَهم الغرور باعتباره من أهم وجوه الجهل. كما يصف بعض المفكرين المثقّف بأنّه إنسانٌ لايحقد، ولا يجهد لدحض وجهات نظر الآخرين بقدر ما يسعى لتصحيح ما يشعر بأهميّة تقويمه، وكما قال فولتير: ” قد أختلف معك بالرأي، ولكنني مستعد أن أدافع حتى الموت عن حقك في أن تقول رأيك”. كما يعمل المثقّف الحقيقي على نشر الوعي في مجتمعه ومن يصل صوتُه إليه وينخرط في هموم الناس وأفراحهم وأحزانهم وتطلعاتهم ومخاوفهم ويكون مدافعاً عن قضاياهم العادلة. والمثقّف لا يمتدح نفسه بل يترك للآخرين مساحةً لتقييم كل الآراء والأفكار، كما يُدرك أنّ الحقيقة كثيراً ما تكون مجرد وجهة نظر أو زاوية رؤيا قد تتغير من وقتٍ لآخر.
بينما الكثير من مدّعي الثقافة لا همّ لهم سوى كيل المديح للنفس والتبجيل للذات، ويربأ المثقف عموماً بنفسه عن الإنحياز لجنسٍ أو عرقٍ كما أنه لا يتلفظ بألفاظٍ غير لائقة أو يستخدم أسلوباً لا يليق به. وبالمجمل فالمثقف هو من يدفعك إلى الاستماع إليه دون ملل فتتبع ما يقوله او يكتبه بنهمٍ، فيأخذك إلى فضاءاتٍ لم تكن لتبلغها دون معرفته ويبحر بك نحو الحقائق ويقرأ ما بين السطور وما قد يخفى عن عامة الناس.
مُترجم ومُدرّس لغة إنكليزية




