فينيسيا .. مدينة تسكن الذاكرة
عبد الكريم البليخ

غادرنا فينيسيا، لكن شيئاً منها ظل عالقاً في الروح. لم تكن الزيارة طويلة، ولم يكن في الوقت متّسع لأن نعرف المدينة كما ينبغي، لكن بعض الأماكن لا تحتاج إلى أيام كثيرة كي تترك أثرها. يكفي أن تمر بها ساعات، وأن تمشي في طرقاتها ببطء، وأن تترك لعينيك حرية التأمّل، حتى تشعر أنك تحمل منها أكثر مما كنت تتوقع.
في فينيسيا، بدا كل شيء مختلفاً؛ المدينة نفسها توحي لك بأنك خرجت قليلاً من إيقاع الحياة المعتاد ودخلت زمناً آخر. ماء يجاور البيوت، وقوارب تعبر بهدوء، وأبنية قديمة تقف بصمت وكأنها تحفظ في جدرانها أصوات الذين مروا من هنا قبلنا بسنوات طويلة.
لم أكن أبحث في تلك الساعات عن معلم بعينه، ولا عن برنامج مزدحم بالأسماء والأماكن. كنت أريد فقط أن أرى المدينة كما هي، أن أمشي فيها، وأتوقف حين يدعوني مشهد إلى التوقف، وأن أترك للصدفة نصيبها من الرحلة. وهذا ربّما أجمل ما في السفر.
أن تتخلى، ولو لساعات قليلة، عن إيقاعك المعتاد وعن قلق التفاصيل اليومية، وتصبح مجرد إنسان يمشي في مدينة لا يعرفها، يرى الوجوه لأوّل مرّة، ويتأمّل الأشياء كما لو أنه يتعلم النظر إليها من جديد.
مررنا بين أناس جاؤوا من بلدان شتى، يحمل كل منهم حكايته الخاصة، لكنهم جميعاً اجتمعوا في لحظة واحدة أمام جمال المكان. بعضهم يلتقط الصور، وبعضهم يراقب حركة الماء، وآخرون يمشون دون هدف ظاهر. وفكرت للحظة أن المدن الكبيرة لا تجمع البشر فقط، بل تجمع ذكرياتهم أيضاً؛ كل زائر يترك وراءه شيئاً من حضوره، ويحمل معه شيئاً من المكان.
كانت حرارة آب حاضرة، والتعب يتسلل مع امتداد المشي، ومع ذلك لم يكن ثمّة استعجال حقيقي. كنا نتوقف هنا وهناك، أمام تفصيل صغير ربما لا يستحق الذكر في دليل سياحي، لكنه يستحق صورة في الذاكرة: شرفة قديمة، باب أنهكته السنوات، قارب يعبر ببطء، أو ضوء شمس يسقط على الماء فيصنع للحظة لوحة لا تتكرر بالطريقة نفسها.
أحياناً نظن أن السفر يحتاج إلى مسافات طويلة وأيّام كثيرة حتى يصبح جديراً بالذاكرة، لكن الرحلات تُعلمنا العكس. قد يكون أجمل ما نحمله من مدينة هو لحظة قصيرة لم نخطط لها أصلاً.
صورة التقطناها على عجل. ابتسامة ظهرت من التعب. جلسة قصيرة لاستعادة الأنفاس.أو نظرة أخيرة إلى المكان قبل أن نمضي.
ومع اقتراب وقت المغادرة، شعرت بذلك الإحساس الذي يعرفه المسافر جيداً: أن الرحلة انتهت قبل أن نشبع منها. بقيت أماكن لم نرها، وأزقّة لم نعبرها، ومشاهد ربما كان يمكن أن نكتشفها لو منحنا الوقت ساعات أخرى.
لكن ربما في ذلك بعض الجمال أيضاً. فالمدينة التي نغادرها ونحن نشعر أننا لم نرَ منها كل شيء، تترك فينا باباً مفتوحاً للعودة. تصبح الزيارة الأولى مجرد بداية صغيرة، أو وعد مؤجل بلقاء آخر.
وحين بدأت صور الرحلة تتجمع في الهاتف، أدركت مرة أخرى أن الصور لا تقول كل الحكاية. الصورة تحفظ المكان، لكنها لا تستطيع أن تحتفظ بنبض اللحظة كاملاً. لا تحتفظ بحرارة الشمس، ولا بصوت الماء، ولا بذلك التعب الجميل الذي يأتي بعد ساعات من المشي، ولا بالشعور الداخلي الذي يصاحب الإنسان وهو يكتشف مكاناً جديداً.
لهذا تبقى بعض الرحلات في الداخل أكثر مما تبقى في الصور.
غادرنا فينيسيا بعد ساعات قليلة، وعدنا نحمل معنا تعب الطريق وبعض الصور وذكريات صغيرة ربما تبدو عادية للآخرين، لكنها بالنسبة إلينا جزء من يوم لن يتكرر بالطريقة نفسها.
وهكذا هي المدن أحياناً؛ لا نقيس علاقتنا بها بعدد الأيام التي قضيناها فيها، وإنما بما استطاعت أن تتركه فينا. وفينيسيا، في تلك الساعات القليلة، تركت ما يكفي.
تركت شيئاً من دهشتها، ومن هدوء الماء، ومن جمال الأزقة القديمة، وتركت أيضاً رغبة خفية في أن نعود إليها يوماً ما، بوقت أطول وخطوات أقلّ استعجالاً.
كاتب وصحافي سوري








