أدب

أطياف لؤي كيالي .. تتأمل صورة الإنسان أمام أسئلته

في رواية «ذاكرة النار» طلال معلا يكتب سيرة الغياب بلغة اللوحة

بشرى بن فاطمة

يعود الفنان السوري الراحل لؤي كيالي إلى الواجهة من بوابة رواية «أطياف لؤي كيالي: ذاكرة النار» لطلال معلا، في تجربة تتجاوز السيرة التقليدية لتلامس أسئلة الفن والوجود والغياب والذاكرة. يكتب معلا عن كيالي من داخل عالمه التشكيلي، محولاً اللوحة واللون والنار إلى مفاتيح لقراءة الإنسان والفنان وما يبقى منه للأبد.

عندما يكتب فنانٌ عن فنان، فإن الكتابة لا تكون استعادةً لسيرة بقدر ما تصبح حواراً بين رؤيتين للعالم. هذا ما أثار فضولي وأنا أتصفح رواية الفنان التشكيلي والباحث والناقد السوري طلال معلا «أطياف لؤي كيالي: ذاكرة النار»، منشورات رامينا، لندن، 2026، والتي تقع في 262 صفحة، وتستعيد حسياً وفنياً وبصرياً وسردياً التفاصيل الدقيقة بين الانتماء والحضور، والحقيقة والخيال، لفكرة التواصل الوجودي بين الفنان وعوالمه، بين الحياة والملهاة، بين البدايات والنهايات، والتراجيديا والخلود.

هي عوالم الفنان السوري الراحل لؤي كيالي، تلك التي وضعها طلال معلا بين يدي القارئ والمتلقي، رحلة روائية وحوارات حسية تفاعلية، باطنية ومباشرة، لمسيرته وتجربته وأعماله وتصوراته ومعايشاته في الدقائق الأخيرة من حياته، نهايتها ومنطلقاتها، وهو يعيشها ويعايشها ويعبر بها ونحوها ومنها، في كل ما أثارته من تفاصيل دقيقة جعلته الفنان الإنسان، والعابر من نور الوجود إلى ضوء الخلود عبر عتمة رماده وناره.

الروح في منتصف الجسد

في التأملات المتكاثفة بين فلسفة الضوء وتأملاته في بورتريه لا تنتهي به الرحلة ولا تأملاته للكون، بين سوداوية السرد البصري وعبقرية التمعن في الوجود، تلك النار القابعة في فراغات ذلك الوجود، بين رماد الاشتغال وسواد الفحم الذي كثيراً ما كثّف البقاء في ظلاله.

هذا التماس خلق رؤى الجمالي في تجربة مختلفة؛ لأن طلال معلا أرادها رحلة تقرأ باطن الرؤية وتداخلات التناقض والفصام والمرض والتيه بين النور والنار، والعتمة والعزلة، والحزن والاكتئاب، رمزيات السرد الحسي لأطياف لؤي، وجوهه وشخوصه، بين ظهور وكشف وأقنعة واختفاء، في لوحة روائية تحكي لؤي كيالي بلغة طلال معلا.

يمكن قراءة رواية «أطياف لؤي كيالي» لطلال معلا في زواياها العميقة التي تعيد اكتشاف عوالم لؤي كيالي، من خلال تصوراته المتفاعلة والفاعلة تأويلياً، حكاية تنصف المتلقي أو تمنحه فرصة التأمل، حتى يعيد التفكير في معنى الفن وحياة الفنان وفن الفناء من أجل البقاء، ملحمة وسيرورة تختلف عبر عصورها، في الكيفية التي يستمر بها الفنان في الوجود بعد غياب الجسد.

رواية ” ذاكرة النار” لـ طلال معلا

فالجمل والتعابير والوقع السردي ليس استعراضًا تاريخيًا ولا كرونولوجيًا لمسيرة الفنان السوري لؤي كيالي. الرواية عبارة عن لوحة تعبيرية ممتدة تحتضن آلامها ومعاناتها، نورها ونارها، رمادها وسرابها، لتعطي تاريخًا للأثر الذي تركه الفن في الوعي، في الذاكرة البصرية، وفي رؤية الرواية، وفي مفهوم الابتكار الآخر للفن، أسلوب مختلف في الكتابة، مستفز في التقلّب القلق بين صفحة وصفحة، بين شخص وشخصية، بين حوار وتأمل، للغياب الذي تحول إلى حضور أكثر كثافة من الحضور الجسدي نفسه.

يأخذنا معلا في حيرة السؤال وانتظار المعنى، وفي تبادل الحكايات ومحاكاة الأعمال الفنية، ويقتحم بنا حوارات الملامح والأشخاص، الأطفال والنساء، الفنانين الذين عبروا نحو الرواية في جدل التماهي الفني مثل فاتح المدرس.

الفن ليس زينة.. إنه شفرة

تضعنا الرواية أمام مفارقة جوهرية، فكلما غاب لؤي كيالي ازداد حضوره داخل الكتاب، حيث تتداخل كتابة معلا الإنسان مع اندفاع الفنان مع عالم كيالي في كثافة فلسفية، في حوارات داخلية وفي استدراج جمالي لرؤى كيالي ولتفاصيل المتابعة التي كثّفها وجود فاتح المدرس، وللأمكنة التي التهم جمالها أحزان كيالي والتهمته شوارعها بسواد معلنة انبعاث فنان بصوت لبورتريه ضخم كثيف يسيل به نحو العدم.

يسمي الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي هذا النوع من الكتابة «الظهور»، حيث لا يكون الوجود في امتلاك الذات، بل في انكشافها الدائم على الآخر. فالفنان والكاتب طلال معلا لا يختزل الفنان كيالي في سيرته ولا في أعماله، وإنما يظهر معه كأثر مفتوح على التأويل. عند كل صفحة يفتحها القارئ، يسافر فيها إلى الداخل؛ كل قراءة أو تأمل ليست استعادةً أو قراءة، إنها خلق جديد أو محاكاة لحضور كيالي الإنسان والفنان داخل لوحاته، وعبوره من مدنه إليها، مدنه التي ساكنها وسكنها، والتي سكنته ولفظته.

لم يسع الكاتب طلال معلا إلى إعادة إنتاج صورة كيالي كما عرفها التاريخ، بل حرّرها من يقينها الوثائقي، لتصبح شخصية تتحرك بين الواقع والذاكرة والخيال في شوارع سورية، وفق البناء السردي الذي اختاره.

طلال معلا لا يختزل الفنان كيالي في سيرته

يرفض طلال معلا فكرة الهوية المغلقة، ويستبدل بها هوية متحولة، تتشكل داخل اللغة كما تشكلت سابقًا داخل اللون وظلاله، بين عتمة ونور داكن، حتى لا يحيل «الطيف» على الشبح، بل ليحمل معناه في استحالة القبض النهائي على الحقيقة، فالحضور نفسه لا يتحقق إلا عبر ما يفلت منه.

من هذه الزاوية، تحول الفن داخل عمق السرد الروائي إلى حدث أنطولوجي قبل أن يكون ممارسة جمالية، فاللوحة وعناصرها تتجادل مع العالم. لذلك كتب معلا كيالي من التفاعلات الجوانية والمحاورات العميقة لرموزه، علاماته، شخوصه، أمكنته، نفسيته، وجدانه، أحلامه ويأسه، قبل أن تنفتح عليه الرؤية المتوهجة بنارها. وكأن الفنان في ازدواجية الفعل، الكاتب والمكتوب عنه، التجربة والتجريب، لا ينقل المرئي، إلا أنه يكشف عن عملية تشكل تلك الرؤية من الظلال أو مساحاته الداكنة.

فمعلا اعتبر أن العين، في تجربة كيالي الفلسفية، ليست أداة للرؤية، لأنها جزء من نسيج عوالمه وأطيافه، ليستثمر هذا الأفق في بنائه السردي أيضًا، حاملًا عينه وعين المتلقي في روايته نحو لغة تحاكيه بصريًا، ليجعل الكتابة امتدادًا للرسم، فلا يصف اللوحات، بل يجعل اللغة تمارس فعل الرؤية ذاتها في سرديات الحضور والتحاور الباطني الحسي الوجودي.

«إظهار الوجوه الحقيقية، هو أخطر فعل في المدن التي تعيش على الأقنعة». إن القارئ لا يشاهد أعمال لؤي كيالي داخل النص، بل يحاكي وجوهه ووجهه التائه معها، يعيش آلية تشكلها. الزمن يتباطأ، والأمكنة تتلاشى، وتصبح التفاصيل الصغيرة أكثر كثافة من الوقائع الكبرى. إنها كتابة لا تبحث عن الحدث، بل عن الإحساس الذي يسبق الحدث، وعن ذلك الاهتزاز الخفي بعده، هناك ولد المعنى قبل أن يتحول إلى صورة أو كلمة.

النار التي تهيمن على الفضاء الرمزي للكتاب، لا يمكن اختزالها في الواقعة المأساوية المرتبطة برحيل الفنان، إنها استعارة فلسفية للانكشاف والاكتشاف. فالنار منذ حدث سرقتها كانت الرحمة والعقاب، ومنذ هيرقليطس، تحوّلت إلى مبدأ للتحول الدائم. ولذلك كان فعل الاحتراق داخل النص صورةً للعبور من الشكل إلى الأثر، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الزمن التاريخي إلى الزمن الجمالي، ومن الوجدان إلى الروح، ومن الجسد إلى اللوحة، إلى الأثر، إلى الخلود.

الصورة لا تمنح الحضور.. تكشف غيابه

«أغلق عينيه وأعاد كل شيء إليه: روما التي منحته الضوء، دمشق التي منحته الصوت، حلب التي صنعت منه قلبًا، الطاحونة الحمراء التي رأى فيها انهياره، ممرات كلية الفنون، اللاجئون، النساء الأرستقراطيات، المراكب التي رسمها فلم يعرف أحد إن كانت سفنًا أم هياكل أجساد، ليلة الحريق، الأسئلة، الصمت، الفقر، الإبداع، المرض، العجز، الوحدة، الذنب، البحث عن الحب، والفن الذي كان مرآة وسيفًا في آن، وكأنه فهم أخيرًا أن حياته كلها -كل ألم فيها- لم يكن إلا مقدمة لهذه اللحظة. فتح عينيه وكانت نظرته نظرة رجل لم يعد يخاف، مقتربًا من المسارات الثلاثة».

شكّل معلا مسارات الرؤية وفق اللون وحاكها كما حاكاها في تصورات المحاورات الحسية بين كيالي والمرأة، الطيف الدمشقي، والتفصيل الدقيق الشفاف للمعنى، مسارات تكونت به وكوّنته، شكّلت مخاوفه وحطّمتها.

يحيل السياق الروائي الذي صاغه معلا، وهو يعبر بنا ومعنا إلى عوالم كيالي بين الفضاءات الخارجية والداخلية، إلى رؤية جورج أوبرمان للصورة وما يبقى بعد الفقدان، لأن الصورة لا تمنح حضور الشيء، الصورة تكشف غيابه، تحمل أثر الزمن الذي مرّ عليها، وتجعل الغياب نفسه مادةً للرؤية.

وهذا بالضبط ما يحاول طلال معلا وصفه لنا أو سرده، بأدواته اللغوية ولغته الفنية ووجدانه الخيالي، إذ تتحول شخصية لؤي كيالي إلى صورة لا تتوقف عن إنتاج المعنى كلما ابتعدت عن أصلها التاريخي. فالكتاب لا يرثي الفنان، بل يكشف كيف يواصل الفن حياته خارج صاحبه.

هذا ما يميّز العمل رفضه للسرد الخطي، فالبنية تقوم على التشظّي، وعلى العودة المستمرة إلى النقطة نفسها من زوايا مختلفة، كما لو أن النص يعيد رسم اللوحة أكثر من مرة دون أن يكررها. وهذا البناء ليس مجرد تقنية روائية، إنه تعبير عن رؤية فلسفية ترى أن الحقيقة ليست معطى نهائياً، وإنما تداخلات مركبة من الاكتشاف، لا يكتمل أي منها إلا بنقصه.

غير أن هذا الخيار الجمالي يضع القارئ أيضاً أمام تحدٍ تأويلي، كل يحمل تصوراته للرواية في محاورات حسية وذهنية وفنية وجمالية؛ لأنها ليست رواية تقليدية، ولا دراسة نقدية، ربما هي السيرة والتأمل والنص التشكيلي الكثيف معًا، أو ربما هي معرض فني. قد يبدو ذلك إرباكاً لمن ينتظر تسلسلاً حكائياً واضحاً، لكنه يمثل أيضاً شرطاً أساسياً لفهم مشروع طلال معلا، الذي ينطلق من أن الفن لا يشرح العالم، بل يضاعف غموضه، فالغموض هو الشكل الأكثر صدقاً للحقيقة.

إن القيمة الفلسفية لـ«أطياف لؤي كيالي» لا تكمن في حديث الكاتب مع شخصيته المحورية وبطله، هذا الفنان الاستثنائي، بل في قدرته على تحويل الفن إلى سؤال عن الوجود والعدم. فالرسم في عمق الرواية ليس موضوعاً للكتابة، لأنه طريقها وطريقتها في التفكير، واللغة لا تحل محل اللون، وإنما تكشف عن حدوده وإمكاناته في مرافقة الفنان في سكونه وضجته وآلامه الداخلية، لتصبح الرواية تجربة لمشروع تجريبي في «رؤية الرؤية»، وفي تأمل الكيفية التي يولد بها المعنى من المسافة بين الحضور والغياب، وبين الصورة وذاكرتها.

نجح طلال معلا في تجاوز حدود الكتابة عن لؤي كيالي، ليكتب معه، ومن خلاله، نصاً روائياً يتأمل صورة الإنسان أمام الوجود، بورتريه خاصاً عميقاً، يحمل قدرة الفن على تحويل الهشاشة إلى شكل من أشكال البقاء والبطولة. فالفنان لا يخلّد لأنه انتصر على الموت، بل لأنه ترك أثراً جعل الغياب نفسه قابلًا للرؤية، وجعل من كل قراءة جديدة بدايةً لظهور آخر.

كاتبة باحثة تونسية اختصاص فنون بصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى