قص

حين يزهر الخوف

عبد الكريم البليخ

في زقاقٍ من أزقّة حلب القديمة، حيث تتعانق الحجارة الصامتة برائحة الياسمين، كانت أمٌّ تهمس لابنتها بعبارةٍ ترتجف بين شفتيها: “العلمُ عزُّ البنت”. لم تكن العبارة شعاراً، بل استغاثةً مكتومة في بيتٍ يرى فيه الأب أن التعليم للفتاة رفاه لا يليق بسمعة العائلة. هناك، في بيتٍ تتجاور فيه الأفنية الضيقة، بدأت حكاية فتاةٍ خُيّر قلبها الصغير بين الخوف والطموح، فاختارت أن تزرع في قلبها حبّة قمحٍ يتيمة في تربةٍ يابسة اسمها التقاليد. كانت تستيقظ قبل الفجر، تفتح نافذتها الخضراء، وتشمّ عطر الياسمين، لا لتتنعّم، بل لتتسلّح بما يشبه الأمل في مدينةٍ تُقاسِم أهلها الصمت أكثر مما تُعطيهم الكلام. الطريق إلى الثانوية كان طويلاً، تمرّ فيه الحافلات القديمة بمحاذاة كلية الطب، فترى فيها شرفات العلم تومض كنداءٍ خفي، وتفهم أنها أمام معركةٍ لم تُخض فيها سلاحاً سوى دفاتر وأحلامٍ ترتجف.

احتاجت لدروس تقوية، فدلّتها جارتها الأرملة على غرفةٍ يؤجّرها طلاب الجامعة. وهناك ظهر إسماعيل، شابّ الطبّ، بمعطفٍ أبيض بدا عليه كأنّه يستعير حلماً لا ثوباً. علّمها، صبر عليها، كتب لها بحبرٍ أزرقٍ يشبه نَفَس المعلمين الحقيقيين، لكنه أيضاً كان أوّل من طرق بابها بقلبٍ لا يطرق من أجل العلم وحده. في المقابل، ظهر عليّ، شاعر الحيّ المثقف، بدفاتره الصفراء، يقول لها: “إن احتجتِ شيئاً فأنا هنا”، فتتساءل هي إن كان حضوره صدقاً أم مروراً خافتاً في روايةٍ مجهولة النهاية. في كل الأحوال، لم يكن والدها ليسمح بصداقةٍ تُلوَّن خارج حدود المسموح. ومع مساءٍ شتوي، دُعيت إلى غرفة إسماعيل وأخيه، بدعوى الاطمئنان، فدخلت وخافت، واتصلت بأمها من هاتفٍ أرضيٍّ قديم. ردّت الأم بصوتٍ مخنوق، يعيد التذكير بالعبارة القديمة: “البنت مثل السيجارة، يكفي أن تُلمَس حتى تحترق”. لكنها لم تُمسّ، ولا احترقت، بل خرجت وبدأت طريقاً جديداً يشبه التقلّب بين الأسى والخجل والفضول.

كانت إشارات الخطر تتكاثر. إسماعيل بات يُلاحقها في الطريق، يكرّر أنه من “باديةٍ لا يرحمها أهل المدينة”، وهي تردّ أنها ستُخبر أباها إن لم يتوقف. زاد الضغط، غابت عن المدرسة، وحين عاد يطلب استئجار غرفةٍ من جديد، طردته أمّها بنظرةٍ تعرف تماماً ما تخفيه النوايا. لكن الفتاة كانت تعرف أنها، في النهاية، تسير على حدّ السكين: فأيّ خطأ، ولو لم يُرتكب، يمكن أن يفسَّر كجريمة. تردّدت إلى الغرفة ثانية، وجلست بطمأنينةٍ مصطنعة، الباب موارب، الأخ يراجع دفاتره، والضوء يتهادى على رسوماتٍ طبية. هناك، في لحظةٍ ظنّت أنها آمنة، داهمت امرأةٌ غاضبة الشقة، صرخت، حطّمت الأكواب، وفضحت إسماعيل، لتفهم الفتاة أن التي اقتحمت المكان هي امرأة متزوجة اعتادت المجيء حين يغيب زوجها. لم تكن الصفعة من يد بشرية، بل من الحياة نفسها. خرجت مرتعشةً، تلمس الجدران كمن يتأكد من بقاء الواقع من حوله، لا من ثباته الداخلي.

وحين غابت دورتها الشهرية، وذهبت مع أمّها إلى مختبرٍ صغير تفوح منه روائح العطّارين، جاءت النتيجة إيجابية، تشير إلى حملٍ لم يحدث. ارتبكت، ارتعدت، كيف تبرر فضيحة لم ترتكبها؟ استعانت بإسماعيل، فذهب إلى طبيبة أثبتت سلامة عذريتها، لكن الثقة تهشّمت، إذ بدأ يشكّ، ثم يتبرّأ، ثم يُلمّح إلى أنها ليست له وحده، وكأن الطهر مرهونٌ بشهادةٍ لا بفعلٍ أو ضمير. هناك، على سطح المنزل، تأملت حجارة المدينة، الحَمَام يطوف، ومآذن الجامع الكبير تحرس الأسرار. قالت في سرّها إن النساء هنا يختبئن من الشمس خشيةَ اللّوم، وإن البيوت تصمت لأنها تخاف من الوشاية. لكنها، في لحظة نادرة من الهدوء، أيقنت أن تلك الحجارة نفسها يمكن أن تُخصِب الياسمين، وأن الخوف ليس قدراً إن رافقه التصميم.

أغلقت الباب، أمسكت دفاترها، واستسلمت للعلم من جديد، في ظلّ أمّ تضع الشاي قرب الكتاب وتمضي، بصمتٍ يشبه الدعاء. كانت الدراسة تُصبح حصناً، والدفاتر جبهاتٍ صغيرةً تقاتل بها، وأبوها يبقى كما هو: رجلٌ يقف خلف عاداتٍ تسبق وُجوده، لا عناداً بل خضوعاً لجدرانٍ بُنيت قبله. وفي صباح الامتحان الأخير، جلسَت أمام ورقة الرياضيات، رأت فيها قضباناً، وكسرتها بالحلول. طيف إسماعيل تلاشى من الذاكرة، وارتسمت مكانه يقظةٌ جديدة: أن لا أحدَ يستحقّ دمعةً سالت من أجل شرفٍ أُسيء فهمه. انتهى الامتحان، خرجت من المدرسة، فوجدت أمها تنتظرها بعباءتها القديمة، وعينين تلمعان فوق تعب السنين، تحتضنها، وتقول دون صوت: “الورقة الصغيرة صارت شجرة”.

بعد أشهر، عُلّقت النتائج. اسمها كان الأول، تهافت التصفيق من حولها، لكنها التفتت للداخل، حيث طفلةٌ في السابعة عشرة تطلّ من نافذةٍ خضراء، وتبتسم في صمت: “ها أنا ذي”. واليوم، بعد أن اجتازت مدرجاتٍ وجامعات، ما تزال تتذكّر كل التفاصيل: رائحة الحبر، خشخشة الورق، حجر السطح الذي استندت إليه حين خانها الجميع، والباب الذي صرخ كلما فُتح كأنّه يُحذّر من الأسى. أدركت أن الأنثى في هذه المدينة تُرجَم إن فكّرت، وإن تمسّكت بعلمٍ يُحرّرها من القيد. لكنها، إن حملت صخرتها وصعدت بها، صارت الصخرة نفسها درجاً. وحين تعود إلى حلب، في زواياها المُتعبة، وأسواقها التي لم تعد كما كانت، تجد في رائحة الكعك حبّة أملٍ معلّقة. تنظر إلى القباب، وتقول في نفسها: “علّمتِني، يا مدينتي، أن الحجارة لا تشيخ… ما يشيخ هو الاستسلام”.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى